سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٢٣ - الباب السادس و الخمسون فى الظلم و شؤمه و سوء عاقبته
تبكي شجرة فقدتها، و لا تبكي على مائة ألف أو يزيدون، أردت أن أهلكهم؟! و قيل لابن السّماك الأسدى[١] أيام معاوية: كيف تركت الناس؟ قال: بين مظلوم لا ينتصف، و ظالم لا ينتهى.
و قال بعض الحكماء: أفقر الناس أكثرهم كسبا من حرام، لأنه استدان بالظلم ما لا بد له من رده.
و قال رجل: كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز، فذكر الحجّاج فسببته و وقعت فيه، فقال عمر: إن الرجل ليظلم بالمظلمة، فلا يزال المظلوم يشتم الظالم و يسبّه، حتى يستوفى حقّه، فيكون للظالم حقّ عليه.
و قال عمرو بن دينار[٢]: نادى رجل فى بنى إسرائيل: من رآنى فلا يظلمنّ أحدا، و إذا رجل قد ذهب ذراعه من عضده، و هو يبكى و يقول: من رآنى فلا يظلمنّ أحدا، فسئل عن حاله؟ فقال: بينما أنا أسير على شاطئ البحر فى بعض سواحل الشام، إذ مررت بنبطيّ[٣] قد اصطاد أربعة أنوان[٤]، فأخذت منه نونا و هو كاره، بعد أن ضربت رأسه، فعض النون إبهامى عضّة يسيرة، ثم أكلناه، فوقعت الأكلة[٥] فى إبهامى، فاتفق الأطبّاء على قطعه فقطعته، فوقعت فى كفّي، ثم ساعدي، فمن رآني فلا يظلمن أحدا، فخرجت أسيح فى البلاد، و أريد قطع عضدى، إذ رفعت لى شجرة فأويت إلى ظلها، فنعست، فقيل لى فى المنام: لأى شيء تقطع أعضاءك؟ ردّ الحق إلى أهله. فجئت الصياد فقلت: يا عبد اللّه: انا مملوكك فأعتقنى، فقال: ما أعرفك؟ فأخبرته فبكى و تضرع و قال: أنت فى حل. فلما قالها، تناثر الدود من عضدى و سكن الوجع. فقلت له: بما ذا دعوت على؟ قال: لما ضربت رأسي و أخذت السمكة، نظرت إلى السماء و بكيت، فقلت: يا رب، أشهد أنك عدل تحب العدل، و هذا منك عدل و أنك الحق تحب الحق، و خلقتنى و خلقته، و جعلته قويا و جعلتنى ضعيفا، فأسألك يا من خلقتنى و خلقته أن تجعله عبرة لخلقك.
[١] - ابن السماك الأسدى، سيد الوعاظ أبو العباس محمد بن صبيح العجلي، توفي سنة ٨٣ ه،( الأعلام ٨/ ٣٢٩- ٣٣١).
[٢] - عمرو بن دينار الجمحى و يلقب بأبى محمد الأثرم، من أهل مكة، و روى مجموعة من الأحاديث توفى سنة ١٢٦ ه( الأعلام ٥/ ٧٧).
[٣] - النبطى: جمعها أنباط و هم قوم من العجم كانوا ينزلون بين العراقين، و كان لهم دولة عاصمتها البتراء في الأردن سموا نبط لاستنباطهم ما يخرج من الأرض، ثم استعمل فى أخلاط الناس و عوامهم.
[٤] - مفردها نون و هو الحوت.
[٥] - الأكلة: الحكّة.