سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٦٤ - فصل فيمن استبصر من أبناء الملوك عيب الدنيا و فناءها
و روي أنّ عليّ بن أبي طالب[١] رضي الله عنه، لما رأى فاطمة[٢] رضي الله عنها، مسجّاة[٣] بثوبها، بكى حتى رثى له[٤]، ثم قال:
|
لكلّ اجتماع من خليلين فرقة |
و إنّ الذي دون الممات قليل |
|
|
أرى علل الدّنيا عليّ كثيرة |
و صاحبها حتى الممات عليل |
|
|
و إنّ افتقادي واحدا بعد واحد |
دليل على أن لا يدوم خليل |
|
ثم قال:
|
ألا أيّها الموت الذي ليس تاركي |
أرحني فقد أفنيت كلّ خليل |
|
|
أراك بصيرا بالذين أحبّهم |
كأنّك تنحو نحوهم بدليل |
|
و لما نفض يديه من ترابها، تمثّل بقول بعض بني ضبّه[٥]:
|
أقول و قد فاضت دموعى حسرة |
أرى الأرض تبقى و الأخلّاء تذهب |
|
|
أخلّاى! لو غير الحمام أصابكم |
عتبت، و لكن ما على الموت معتب[٦] |
|
و قال العتّابي[٧]:
|
قلت للفرقدين و الليل ملق |
سود أكنافه على الآفاق[٨] |
|
|
أبقيا ما بقيتما فسيرمى |
بين شخصيكما بسهم الفراق |
|
|
غرّ من ظنّ أن يفوت المنايا |
و عراها قلائد الأعناق[٩] |
|
|
كم صفيّين متّعا باجتماع |
ثم صارا لغربة و افتراق[١٠] |
|
|
لا يدوم البقاء للخلق لك |
نّ داوم البقاء للخلّاق |
|
[١] - علي بن أبي طالب: رابع الخلفاء الراشدين، سبقت ترجمته.
[٢] - فاطمة بنت محمد رسول الله صلى اللّه عليه و سلم، أم الحسنين و زوجة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، توفيت بعد رسول الله صلى اللّه عليه و سلم بخمسة أشهر.( الأعلام ٤/ ٢٩٥).
[٣] - مسجاة بثوبها: مغطاة به.
[٤] - رثي له: رق الناس لحاله.
[٥] - في( ط) بني أمية و الصحيح( بني ضبّه) نسبة إلى ضبّه بن أدّ، من بني عدنان، و منازلهم في جوار بني تميم، بالناحية الشمالية من نجد، و قائل هذه العبارة هو: الغطمش الضبي، كما ذكر ذلك صاحب لسان العرب( ٤/ ٦٧٤ باب: عتب)، و ذكر البيت الأول بلفظ مشابه للمذكور هنا.
[٦] - الإخلاء: جمع خليل، و هو: الصديق. و الحمام: الموت. و العتب: الموجدة.
[٧] - العتابي: كلثوم بن عمرو التغلبي، شاعر بليغ من أهل الشام، مدح الخلفاء و الأمراء و البرامكة، و كان يتكسب بالشعر، مات سنة ٢٢٠ ه.( الأعلام ٥/ ٢٣١).
[٨] - الفرقدان: نجمان قريبان من القطب الشمالى يهتدى بهما. الأكناف: الجوانب و الظلال، كنف الطائر:
جناحه، و كنف الإنسان: حضنه.
[٩] - العرى: جمع عروة، و هي طوق القلادة.
[١٠] - الصفي: الصديق.