سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥٣ - الباب الأول في مواعظ الملوك
يا أيها الرجل: لا تكن كالمنخل، يرسل أطيب ما فيه و يمسك الحثالة، و اعلم أن من قسا قلبه لا يقبل الحق، و إن كثرت رذائله، قال الله تعالى:
فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: ٧٣، ٧٤]، و ذلك إن كثرة الذنوب مانعة من قبول الحق للقلوب، و ولوج المواعظ فيها، قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]، أي غطاها و غشيها، فلا تقبل خيرا، و لا تصيخ[١] لموعظة.
جاء في التفسير: إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء، ثم إذا أذنب نكتت نكتة سوداء، حتى يسوّد القلب.
و قال حذيفة[٢]: القلب كالكفّ، فإذا أذنب العبد انقبض و قبض أصبعا، ثم إذا أذنب انقبض، و قبض أصبعا أخرى، ثم كذلك في الثالث، و الرابع، حتى ينقبض الكفّ كلّه، ثم يطبع الله عليه، فذلك هو الرّان[٣].
و قال بكر بن عبد الله[٤]: إذا أذنب العبد صار في قلبه كوخز الإبرة، ثم كلما أذنب صار فيه كوخز الإبرة، ثم كلّما أذنب صار فيه كوخز الإبرة، حتى يعود القلب كالمنخل.
و قال الحسن[٥]: هو الذنب على الذنب، حتى يموت القلب.
و قال ابن شبرمة[٦]: إذا كان البدن سقيما لم ينفعه الطعام، و إذا كان القلب مغرما بحبّ الدنيا لم تنفعه الموعظة، و فيه قيل:
|
و لا أرى أثرا للذّكر فى خلدى |
و الحبل فى الصّخرة الصّما له أثر[٧] |
|
|
إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة |
كالأرض إن سبخت[٨] لم ينفع المطر |
|
[١] - لا تصيخ: أي لا تصغي و لا تسمع.
[٢] - حذيفة بن اليمان أبو عبد الله العبسي: صحابي من رواة الحديث، أقام بالكوفة و توفي سنة ٣٦ ه.
[٣] - الران: الغطاء أو الدنس.
[٤] - بكر بن عبد الله: بكر بن عبد الله بن عمرو المزني، بصري تابعي من رواة الحديث، منهم من اعتبره ثقة، و منهم من لم يعتبره كذلك، توفي سنة ١٠٨ ه.( تهذيب التهذيب/ ابن حجر ١/ ٤٨٤).
[٥] - أي الحسن البصري: سبقت ترجمته.
[٦] - ابن شبرمة: عبد الله بن الطفيل، من معاصري الإمام أبي حنيفة، كان قاضيا لأبي جعفر المنصور على سواد الكوفة، و كان فقيها عفيفا حازما عاقلا، يشبه النسّاك، توفي سنة ١٤٤ ه.
[٧] - الخلد: البال و القلب.
[٨] - سبخت الأرض: لم تحرث و لم تعمّر.