سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٤٧ - الباب الثامن و العشرون في الحلم
و قال رجل لأبي ذر رضي الله عنه: أنت الذي نفاك معاوية من الشام؟ لو كان فيك خير ما نفاك، فقال: يا ابن أخي إن ورائي عقبة كئودا[١]، إن نجوت منها لم يضرّني ما قلت، و إن لم أنج منها فأنا شرّ مما قلت.
و قال لقمان لابنه: يا بني، ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، و لا الشّجاع إلّا عند الحرب، و لا أخوك إلا عند الحاجة إليه.
و سبّ رجل بعض الحكماء، فأعرض عنه، فقال له: إيّاك أعني، فقال الحكيم: و عنك أعرض.
و في هذا المعنى قيل:
|
قل ما بدا لك من زور و من كذب |
حلمي أصمّ و أذني غير صمّاء |
|
و قيل يوما للأحنف: ما أحلمك! فقال: لست بحليم، و لكني أتحالم[٢]، و الله إني لأسمع الكلمة فأجم[٣] لها ثلاثا، ما يمنعني من جوابها إلا الخوف من أن أسمع ما هو شرّ منها.
و قال الشاعر:
|
و ليس يتمّ الحلم للمرء راضيا |
إذا كان عند السّخط لا يتحلّم |
|
|
كما لا يتمّ الجود للمرء موسرا |
إذا كان عند العسر لا يتحشّم |
|
و روي أن رجلا سبّ جعفر بن محمد[٤] رضي الله عنه فقال: أمّا ما قلت ممّا هو فينا فإنّا نستغفر الله منه، و ما قلت مما ليس فينا فإنا نكلك فيه إلى الله تعالى.
و قال بعض الحكماء: احذروا الغضب فربّ غضب استحقّ الغضبان به غضب الله تعالى.
و قال أكثم بن صيفي: لا يكون الرجل حليما حتى يقول السّفيه: إنّه لضعيف مستذلّ، و لا يكون مخلصا حتى يقول الأحمق: إنه لمفسد.
[١] - عقبة كئود: أي شاقة المصعد صعبة المرتقى.
[٢] - أتحالم: أتظاهر بالحلم.
[٣] - وجم الرجل و جما: سكت عن غيظه، أو سكن و عجز عن التكلم من كثرة الغم أو الخوف.
[٤] - جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين الهاشمي القرشي، من أئمة الإمامية الاثنا عشرية، كان من أجلاء التابعين و له منزلة رفيعة في العلم، أخذ عنه مالك و أبو حنيفة و لقب بالصادق لأنه لم يكذب قط، له أخبار مع الخلفاء العباسيين حيث كان جريئا عليهم توفي سنة ١٤٨ ه.( الأعلام ٢/ ١٢٦).