سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٦٦ - فصل فيمن استبصر من أبناء الملوك عيب الدنيا و فناءها
و قال عبد الله بن المعتز[١]:
|
نسير إلى الآجال في كلّ ساعة |
و أيّامنا تطوى و هنّ مراحل[٢] |
|
|
و لم أر مثل الموت حقّا كأنّه |
إذا ما تخطّته الأماني باطل |
|
|
و ما أقبح التفريط في زمن الصّبا |
فكيف به و الشّيب في الرّأس شاعل |
|
|
ترحّل من الدّنيا بزاد من التّقى |
فعمرك أيّام تعدّ قلائل |
|
و لما دخل أبو الدرداء[٣]. الشام قال: يا أهل الشام، اسمعوا قول أخ لكم ناصح، فاجتمعوا عليه، فقال: مالي أراكم تبنون ما لا تسكنون، و تجمعون ما لا تأكلون، إنّ الذين كانوا قبلكم، بنو مشيدا[٤]، و أمّلوا بعيدا، و جمعوا كثيرا، فأصبح أملهم غرورا، و جمعهم ثبورا[٥]، و مساكنهم قبورا.
و روى الجاحظ[٦] قال: وجد مكتوبا على حجر: ابن آدم، لو رأيت يسير ما بقي من أجلك، لزهدت في طول ما ترجو من أملك، و لرغبت في الزيادة من عملك، و لقصّرت من حرصك و حيلك، و إنما يلقاك غدا ندمك، لو قد زلّت بك قدمك، و أسلمك أهلك و حشمك، و تبرّأ منك القريب، و انصرف عنك الحبيب، فلا أنت في عملك زائد، و لا إلى أهلك عائد.
و قال مالك بن أنس[٧]: بلغني أن امرأتين أتتا عيسى ٧، فقالتا: يا روح الله، ادع الله لنا أن يخرج لنا أبانا، فإنه هلك و نحن غائبتان عنه، قال: تعرفان قبره؟ فقالتا: نعم. فذهب معهما فأتيا قبرا، فقالتا: هذا هو. فدعا الله، فأخرج
[١] - عبد الله بن المعتز: هو عبد الله بن محمد« المعتز بالله» ابن جعفر« المتوكل على الله» ابن محمد« المعتصم بالله» ابن هارون الرشيد، شاعر مبدع و خليفة يوم و ليلة حيث آلت إليه الخلافة لمدة يوم و ليلة، لكن الجند استصغروه حيث بويع و له من العمر ١٣ سنة، و لقب بالمرتضى، و لكن أنصار المقتدر جمعوا صفوفهم في اليوم الثاني للبيعة و اخرجوا المقتدر من السجن، ثم أخذوا عبد الله بن المعتز و عذبوه حتى مات سنة ٢٩٦ ه.( الأعلام- الزركلي، ج ٤/ ١١٨).
[٢] - المراحل: جمع مرحلة، و هي المسافة التي يقطعها المسافر في يومه.
[٣] - أبو الدرداء: عويمر بن مالك بن قيس بن أمية الأنصاري الخزرجي، صحابي من رواة الحديث، و من الحكماء الفرسان قاضي دمشق في عهد عثمان، توفي سنة ٣٢ ه.( الأعلام ٥/ ٩٥).
[٤] - المشيد و المشيّد بمعنى واحد: المجصّص بالشّيد( تاج العروس، باب: شيد).
[٥] - الثبور: الهلاك و الويل.
[٦] - الجاحظ: و هو أبو عثمان عمرو بن بحر، كبير أئمة الأدب و رئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة، و له في كل فن تصنيف، ولد و مات بالبصرة، قيل: أن الذي قتله مجلدات من الكتب وقعت عليه فمات، و ذلك سنة ٢٥٥ ه.( الأعلام ٥/ ٧٤).
[٧] - مالك بن أنس: إمام دار الهجرة، سبقت ترجمته.