سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٩٣ - فصل في بعض الأخبار و المواعظ
ذلك؟ قال: لأن شهوتك قد ملكتك، و أنا ملكت الشهوات، فقال: أنا الملك ابن الأملاك السادة، أملك من البلاد كذا، و من الأموال و الرجال كذا، قال:
أراك تفخر عليّ بما ليس في نفسك، و إنما سبيلك أن تفخر عليّ بنفسك، و لكن تعال نخلع ثيابنا، و نلبس جميعا ثوبا من ماء في هذا النهر و نتكلم، إذ يتبين الفاضل من المفضول، فانصرف الملك خجلا.
و ها أنا أحكي لك أمرا أصابني، طيّش عقلي[١]، و بلبل حزمي[٢]، و قطع نياط قلبي[٣]، فلا يزال مرآة لي حتى يواريني التراب، و ذلك: أني كنت يوما بالعراق و أنا أشرب ماء، فقال لي صاحب لي- و كان له عقل-: يا فلان لعل هذا الكوز الذي تشرب فيه الماء قد كان إنسانا يوما من الدهر، فمات فصار ترابا، فاتّفق للفخّاري أن أخذ تراب القبر، و ضربه خزفا و شواه بالنار، فانتظم كوزا كما ترى، و صار آنية يمتهن و يستخدم بعد أن كان بشرا سويا، يأكل و يشرب، و ينعم و يلذّ و يطرب.
فإذا الذي قاله من الجائزات، فإن الإنسان إذا مات عاد ترابا كما كان في النشأة الأولى، ثم قد يتّفق أن يحفر لحده، و يعجن بالماء ترابه، فيتّخذ منه آنية تمتهن في البيوت أو لبنة فتبنى في الجدار، أو يطيّن به سطح البيت، أو يفرش في البيوت، فيوطأ بالأقدام، أو يجعل طينا على الجدار، و قد يجوز أن يغرس عند قبره شجرة، فيستحيل تراب الإنسان شجرة و ورقا و ثمرة، فترعى البهائم أوراقها، و يأكل الإنسان ثمرها، فينبت منها لحمه، و ينشر منها عظمه، أو تأكل تلك الثمرة الحشرات و البهائم، فبينما كان يقتات صار قوتا، و بينما كان يأكل صار مأكولا، ثم يعود في بطن الإنسان رجيعا[٤] فيقذف في بيت الرحاضة، أو بعرا ينبذ بالعراء، و يجوز إذا حفر قبره أن تسفي الرياح ترابه، فتتفرق أجزاؤه في بطون الأودية و التّلول[٥] و الوهاد[٦].
[١] - طيش عقلي: ذهب به.
[٢] - بلبل حزمي: شتته.
[٣] - نياط القلب: عرق غليظ يصل القلب بالرئتين إذا قطع مات صاحبه.
[٤] - الرجيع: الروث.
[٥] - التلول و التلال: مفردها التلة و هي قطعة الأرض المرتفعة قليلا عما حولها.
[٦] - الوهاد: الأراضي المنخفضة.