سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٢٥ - الباب الموفى أربعين فيما يجب على الرعية إذا جار السلطان
و قال الفضيل[١]: لو ظفرت ببيت المال، لأخذت من حلاله، و صنعت منه أطيب الطعام، ثم دعوت الصالحين، و أهل الفضل، من الأخيار و الأبرار، فإذا فرغوا قلت لهم: تعالوا ندعو ربنا أن يوفق ملوكنا، و سائر من يلى علينا، و جعل إليه أمرنا.
و لما قدم معاوية المدينة، دخل دار عثمان، فقالت عائشة ابنة عثمان:
وا أبتاه! فقال معاوية: يا بنت أخى، إن الناس أعطونا طاعة، و أعطيناهم أمانا، و أظهرنا لهم حلما تحت غضب، و أظهروا لنا طاعة تحتها حقد، و مع كل إنسان سيفه و هو يرى مكان أنصاره، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا، و لا ندرى أ علينا تكون أم لنا؟ و لأن تكونى ابنة عم أمير المؤمنين خير من أن تكونى امرأة من عرض[٢] المسلمين.
و روي أن رجلا من العقلاء، غصبه بعض الولاة ضيعة له، فاستعدى عليه إلى المنصور[٣]، فقال له: أصلحك الله، أ أذكر حاجتى أم أضرب لك قبلها مثلا؟
فقال: بل اضرب لى قبلها مثلا، قال: أصلحك الله، إن الطفل الصغير، إذا نابه أمر يكرهه، فإنه يفر إلى أمه، إذ لا يعرف غيرها، و ظنّا منه أنه لا ناصر فوقها، فإذا ترعرع و اشتد فأوذى، كان فراره و شكواه إلى أبيه، لعلمه بأن أباه أقوى من أمه على نصرته، فإذا بلغ و صار رجلا و حزبه[٤] أمر، شكا إلى الوالى، لعلمه بأنه أقوى من أبيه، فإذا زاد عقله و اشتدت شكيمته[٥]، شكا إلى السلطان، لعلمه بأنه أقوى من سواه، فإن لم ينصفه السلطان، شكا إلى الله عز و جل، و قد نزلت بى نازلة[٦]، و ليس فوقك أحد أقوى منك، فإن أنصفتنى، و إلا رفعت أمرها إلى الله فى الموسم[٧]، فإنى متوجه إلى بيته و حرمه، إذ ليس فوقك أحد إلا الله تعالى، قال: بل ننصفك، و أمر بأن يكتب إلى واليه يردّ ضيعته إليه.
[١] - هو الفضيل بن عياض العالم العابد و قد سبقت ترجمته.
[٢] - عرض المسلمين: عامّتهم.
[٣] - أى أبو جعفر المنصور الخليفة العباسى و قد سبقت ترجمته.
[٤] - حزبه أمر: أصابه أمر شديد أو أصابه الغم و الويل.
[٥] - اشتدت شكيمته: أى أصبح أنيفا أبيّا لا ينقاد.
[٦] - النازلة: المصيبة الشديدة.
[٧] - أى موسم الحج.