سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥١٥ - الفصل الأول يشتمل على أخبار رفعت إلينا بعد الفراغ من الكتاب، فألحقناها
فقال: لا تبك فإنّك لم تؤت من حزم وثيق، و لا من رأى رتيق[١]، و لا تدبير نافع، و لا من سيف قاطع، و لكن ما استجمع أحد لأمله إلا أسرع فى تقريب أجله، قال: فمتى تراه يكون؟ قال: إذا تواطأ الخليفتان على أمر كان، و التقدير فى يدى من يبطل معه التّدبير، و إن رجعت إلى خراسان سلمت، و هيهات. فأراد الرجوع، فكتب إليه السلطان بالمضى، و وجّه إليه من يحثّه، فلو لا أن البصر يعمى إذا نزل القدر، لكانت هذه دلالة تقع موقع العيان، و تبعث على التيقّظ فى الحذر، و الاحتيال فى الهرب، على ان لكل نفس غاية، و لكل أمر نهاية.
و قيل لجالينوس[٢]، و هو حكيم الطب و فيلسوفه- و قد نهكته العلّة- أ لا تتعالج؟ فقال: إذا كان الدّاء من السّماء بطل الدواء، و إذا قدّر الرّبّ بطل حذر المربوب[٣]، و نعم الدواء الأجل و بئس الداء الأمل.
و قال بعض الغزاة: فتحنا حصنا من بلاد الروم، فرأينا فيه صورة أسد من حجر، مكتوب عليه: الحيلة خير من الشّدة، و التأنى أفضل من العجلة، و الجهل فى الحرب أحزم من العقل، و التفكّر فى العاقبة مادّة الجزع.
و قال أحمد بن سهل[٤]: وجه ملك الروم إلى هارون الرشيد بثلاثة أسياف، مع هدايا كثيرة، و على سيف منها مكتوب: أيها المقاتل: احمل تغنم، و لا تفكر فى العاقبة فتهزم، و على الثانى منها مكتوب: إذا لم تصل ضربة سيفك فصلها بإلقاء خوفك، و على الثالث مكتوب: التأنى فيما لا يخاف عليه الفوات أفضل من العجلة إلى إدراك الأمل.
[١] - الرأى الرتيق: الصائب و الصالح.
[٢] - جالينوس: طبيب يونانى اشتهر خاصة باكتشافاته فى التشريح، ترجم العرب مؤلفاته و أخذوا من علومه، قيل مات سنة ٢٠١ ه
[٣] - المربوب: المخلوق.
[٤] - أحمد بن سهل البلخي: أحد الكبار الأفذاذ من علماء الإسلام، جمع بين الشريعة و الفلسفة و الأدب و الفنون له مصنفات كثيرة منها ما سبق به علماء البلدان في الإسلام كافة إلى استعمال رسم الأرض في كتابه( صور الأقاليم الإسلامية)، توفي سنة ٣٢٢ و قيل سنة ٣٤٠ ه،( انظر: الأعلام ١/ ١٣٤، إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون ٤/ ١٩٦).