سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٦٠ - الباب الحادى عشر فى بيان معرفة الخصال التى هى قواعد السلطان، و لا ثبات له دونها
الباب الحادى عشر فى بيان معرفة الخصال التى هى قواعد السلطان، و لا ثبات له دونها
فأوّل الخصال و أحقّها بالرعاية العدل الذى هو قوام الملك، و دوام الدّول، و أسّ كل مملكة، سواء كانت نبوية أو إصلاحية.
اعلم ارشدك الله: أنّ الله تعالى أمر بالعدل، ثم علم سبحانه أنّه ليس كل النفوس تصلح على العدل، بل تطلب الإحسان، و هو فوق العدل، فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى [النحل: ٩٠] فلو وسع الخلق العدل، ما قرن الله به الإحسان، فمن لم يصلح حتى يزاد على العدل، كيف يصلح إذا لم يبلغ به العدل؟
و العدل ميزان الله تعالى فى الأرض، الذى به يؤخذ للضعيف من القوىّ، و للمحقّ من المبطل، و ليس موضع الميزان بين الرعية فقط، بل بين السلطان و الرعية أيضا، فمن ازال ميزان الله الذى وضعه من القيام بالقسط، فقد تعرض لسخط الله تعالى.
و اعلم أيها الوالي: أن الملك بمنزلة رجل، فرأسه أنت، و قلبه وزيرك، و يداه أعوانك و رجلاه رعيّتك، و روحه عدلك، و ما بقاء جسد بلا روح.
و إذا أردت ذروة العدل، فاعلم أنّ الرعية ثلاثة أنفس: كبير، و صغير، وسط، فاجعل كبيرهم أبا، و أوسطهم أخا، و صغيرهم ابنا، فبرّ أباك، و أكرم أخاك، و ارحم ابنك، فإنك واصل بذلك إلى بر الله، و كرامته و رحمته.
و اعلم أنّ عدل الملك، يوجب الاجتماع علية، و جوره يوجب الافتراق عنه.
عدل الملك حياة رعيته: و فى منثور الحكم: سلطان جائر اربعين عاما، خير من رعية مهملة ساعة واحدة من النهار. إذا عدل السلطان فيما قرب منه، صلح له ما بعد عنه. فضل الملوك فى الإعطاء، و شرفها فى العفو، و عزها فى العدل.
عدّة السلطان ثلاثة: مشاورة النّصحاء، و ثبات نيّات الأعوان، و إقامة سوق العدل، أفضل الأزمنة أزمنة أئمة العدل.