سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٧٠ - الباب الثلاثون في الجود و السخاء و هذه الخصلة الجليل قدرها، العظيم موقعها الشريف موردها و مصدرها
فاستكثره أصحابه و كلموه في ذلك، فقال لهم حفص بن عمارة: سمعت سفيان الثوري يقول: إذا كمل صدق الصادق، لم يملك ما في يديه. فخرّ بهلول على يديه و قبلها، و جعل يقول: سألتك بالله أنت سمعته يقول هذا؟
فحلف بالله لقد سمعته يقول.
و قال الشاعر:
|
ذريني أكن للمال ربّا و لا يكن |
لي المال ربّا تحمدي غبّه غدا[١] |
|
|
أريني جوادا مات هزلا لعلّني |
أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا |
|
و كان عبد اللّه بن أبي بكر، ينفق على أربعين دارا من جيرانه عن يمينه، و أربعين عن يساره، و أربعين أمامه، و أربعين خلفه، و يبعث إليهم بالأضاحي و الكسوة في الأعياد، و يعتق في كل عيد مائة مملوك، و اشترى يوما جارية بعشرة آلاف، فطلب دابة يحملها عليها، فقال رجل: هذه دابتي، فقال:
احملوها على دابّته إلى داره.
و قال عبد الله بن زهير:
|
و عاذلة تخشى الرّدى أن يصيبني |
تروح و تغدوا بالملامة و القسم |
|
|
تقول هلكنا إن هلكت و إنّما |
على اللّه أرزاق العباد كما زعم |
|
|
و إنّي أحبّ الخلد لو أستطيعه |
و كالخلد عندي أن أموت و لم ألم |
|
و روي أن أعرابيا قدم على علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه- فقال: يا أمير المؤمنين، لي إليك حاجة الحياء يمنعني أن أذكرها، قال: فخطها في الأرض، فخط في الأرض: إني فقير، فقال لغلامه: يا قنبر[٢] اكسه حلّتي، فكساه الحلة فقال:
|
كسوتنى حلّة تبلى محاسنها |
فسوف أكسوك من حسن الثّنا حللا |
|
|
إنّ الثّناء ليحيى ذكر صاحبه |
كالغيث يحيي نداه السّهل و الجبلا |
|
|
إن نلت حسن ثناء نلت مكرمة |
لا تبغينّ بما قد نلته بدلا |
|
|
لا تزهد الدّهر في عرف بدأت به |
كلّ امرئ سوف يجزى بالّذي فعلا |
|
قال علي: زده مائة دينار. فأعطاه إياها، فلما ولى الأعرابي قال قنبر: يا
[١] - يحمد غبه: تحمد آخرته، غب الأمر/ عاقبته و آخره.
[٢] - قنبر: خادم الإمام علي رضي اللّه عنه.