سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٦٠ - فصل فى بعض الحكايات عن الفرج بعد الشدة
الحائط، و لا تدخلوا هذه البقعة، فأبوا إلا دخولها، و بات الرجل منتبذا[١] خارجا عنهم، لم يقرب ذلك المكان، ثم أصبحوا فى عافية و حملوا دوابهم فبينما هم كذلك إذ دخل الرجل الخربة، ليستوقد[٢] ببقية النار، فخر عليه الحائط فمات مكانه.
و بلغنى عن بعض الفقهاء، إن جيشا من الجيوش كان بصقلية، ناهضا من مكان إلى مكان، فقعدوا ساعة لبعض شأنهم، فإذا عقرب يدب، فضربه بعض الأجناد بمقرعة كانت معه، ثم رفع المقرعة إلى نحو عنقه، فإذا بالعقرب قد تشبثت بأهداب المقرعة، و هو لا يشعر، فلدغته فى عنقه، فقضى مكانه.
و أخبرنى القاضي أبو الوليد الباجى[٣]، عن أبى ذر[٤] قال: كنت أقرأ على الشيخ أبى حفص عمر بن أحمد بن شاهين[٥] ببغداد جزءا من الحديث، فى حانوت رجل يبيع العطر، فجاء رجل طوّاف بطبق يحمله فى يده[٦]، و أعطاه عشرة دراهم، و قال له: ادفع إليّ أشياء سماها من العطر، فأخذها فى طبقه و مشى، فسقط الطبق من يده و تفرّق جميع ما كان فيه، فبكى الطّواف و جزع حتى رحمناه، فقال أبو حفص لصاحب الحانوت: لعلك تجبر له بعض هذه الأسباب، قال: نعم، فنزل و جمع ما تجمّع منها، و جبر له ما نقص، و أقبل الشيخ على الطوّاف يصبّره، و قال له: لا تجزع، فأمر الدنيا أيسر من ذلك، فقال الطواف: أ تظن أيها الشيخ أن جزعى لضياع ما ضاع؟ لقد علم
[١] - منتبذا: منعزلا عنهم.
[٢] - أي ليتدفّأ.
[٣] - أبو الوليد الباجى سليمان بن خلف الفقية الأندلسى المالكى الذى أخذ عنه الطرطوشى مسائل الخلاف مات سنة ٤٧٤ ه. سبقت ترجمته.
[٤] - هو أبو ذر الهروى بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصارى الهروى أصله من هراة عالم بالحديث من الحفاظ و من فقهاء المالكية، يقال له ابن السماك له عدة تصانيف منها( تفسير القرآن) مات بمكة سنة ٤٣٤ ه( الأعلام للزركلى ٣/ ٢٤٩).
[٥] - أبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين، واعظ من أهل بغداد، كان من حفاظ الحديث و له نحو( ٣٠٠) مصنف منها كتاب السنة، و التفسير، و ناسخ الحديث و منسوخه توفى سنة ٣٨٥ ه( الأعلام ٥/ ٤٠).
[٦] - في( خ)[ فبينا أنا جالس معه في الحانوت إذ جاء رجل من الطوّافين ممن يبيع العطر في طبق يحمله في يده].