سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٧٨ - الباب الثاني و الثلاثون في الصبر
و روي أن النبي صلى اللّه عليه و سلم مر على امرأة تبكي عند قبر فقال لها: اتقي الله و اصبري، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمثل مصيبتي، فلما قيل لها:
هذا رسول الله، جاءت إليه تعتذر أنها لم تعرفه، و قالت: سأصبر، فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»[١] و يحتمل هذا الحديث وجهين:
أما الخطابي[٢]: فقال: معناه أن الصبر المحمود عند أوّل نزول المصيبة، و قد فاتك بالجزع.
و أما القابسي[٣] فقال: معناه أن الصدمة الأولى، وقّت أمرها النبيّ صلى اللّه عليه و سلم بالصبر، و كان هذا تعليما لكل من فاته الصبر بذهول أو نسيان أو غلبه.
و يروى أن النبي صلى اللّه عليه و سلم، سئل عن الإيمان فقال: «الصبر و السماحة»[٤].
و في منثور الحكم قالت الصّحة: أنا لاحقة بأرض المغرب، قال الجوع:
و أنا معك.
قال الإيمان: أنا لاحق بأرض الحجاز، قال الصبر: أنا معك.
قال الملك: أنا لاحق بأرض العراق، قال الفتك[٥]: أنا معك.
و أعلم أن العجلة خرق[٦] و مخرجها من قلّة العقل، و أخرق من ذلك التفريط في الأمر بعد القدرة، و مثل ذلك كالقدر على النار، إن كان ماؤه قليلا غلت بيسير من النار، و إن كانت مملوءة لم تغل حتى تكثر نارها و تطول مدّتها.
[١] - الحديث متفق على صحته، رواه البخاري في الجنائز و في الأحكام و رواه مسلم في الجنائز.
باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى و الإمام أحمد في مسنده ٣/ ١٤٣ و قال البغوي: أي عند فورة المصيبة و حموتها( شرح السنة- البغوي ج ٥/ ٤٧).
[٢] - في( خ) الطائي، و فى( ط) الطابنى( خطأ)، حيث أن هذا القول منسوب في فتح الباري إلى الخطّابى و هو الفقيه و المحدث حمد بن محمد بن إبراهيم أبو سليمان الخطابى المتوفى سنة ٣٨٨ ه( فتح البارى شرح صحيح البخارى ٣/ ١٤٩، ١٥٠).
[٣] - أبو الحسن على بن محمد القابسى المالكى صاحب كتاب« الملخص» عالم المالكية بإفريقية فى عصره، و القابسى نسبة إلى قابس القريبة من القيروان فى تونس، و توفى سنة ٤٠٣ ه،( الأعلام ٤/ ٣٢٦).
[٤] - الحديث: رواه أبو يعلى فى مسنده و الطبرانى فى الكبير فى مكارم الأخلاق عن جابر( كنز العمال ج ١/ ٥٧).
[٥] - الفتك: القتل.
[٦] - الخرق: الجهل و الحمق و ضعف الرأى.