سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٣١ - الباب السابع و الخمسون فى تحريم السعاية و النميمة و قبحها و ما يؤول إليه أمرها من الأفعال الرديئة و العواقب الذميمة
و قال يحيى بن زيد[١]: قلت للحسن بن على رضى اللّه عنهما لما سقى السم: أخبرنى من سقاك؟ فدمعت عيناه، و قال: أنا فى آخر قدم من الدنيا، و أول قدم من الآخرة تأمرنى أن أغمز[٢].
و قال رجل للمهدى[٣]: عندى نصيحة يا أمير المؤمنين، قال: لمن نصيحتك هذه؟ أ لنا؟ أم لعامة المسلمين؟ أم لنفسك؟ قال: لك يا أمير المؤمنين، قال المهدى: ليس السّاعى بأعظم عورة، و لا أقبح حالا، ممن قبل سعايته، و لا تخلو من أن تكون حاسد نعمة، فلا نشفى لك غيظا، أو عدوا فلا نعاقب لك عدوّك، ثم أقبل على الناس، قال: أيها الناس: لا ينصح لنا ناصح إلا بما لله فيه رضا، و للمسلمين فيه صلاح.
و روى: أن ساعيا سعى برجل إلى الفضل بن سهل[٤]، فوقّع[٥] على ظهر كتابه: نحن نرى قبول السّعاية أشرّ من السعاية، لأن السعاية دلالة، و القبول إجازة، و ليس من دل على شيء كمن قبل و أجاز، لأن من فعل أشرّ ممن قال.
و يروى: أن رجلا رفع إلى المنصور[٦] نصيحة فوقع على ظهرها: هذه نصيحة لم يرد بها وجه اللّه تعالى، و لا جواب عندنا لمن آثرنا على اللّه تعالى.
و روي أن رجلا قال للمأمون: يا أمير المؤمنين، اللّه الله فى أصحاب الأخبار، فإنهم قوم إن أعطوا كذبوا، و إن حرموا كذبوا. فإن أعطوا مدحوا و هم كاذبون، و إن حرموا ذمّوا و هم كاذبون، فقال المأمون: لله درها من كلمة ما أقصدها و أبين فضلها، و أمر أن تثبّت فى أمور أصحاب الأخبار.
و قال مروان بن زنباع العبسى[٧]: يا بنى عبس احفظوا عنى ثلاثا: من نقل
[١] - يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أحد الأبطال الأشداء، ثار مع أبيه ضد الأمويين، و قتل أبوه و صلب ثم قتل هو و أرسل رأسه إلى الوليد بن يزيد في دمشق سنة ١٢٥ ه،( الأعلام ٨/ ١٤٦).
[٢] - غمز غمزا بالرجل: طعن عليه و سعى به شرّا.
[٣] - المهدى: محمد بن المنصور، ثالث الخلفاء العباسيين سبقت ترجمته.
[٤] - الفضل بن سهل: وزير الخليفة المأمون بن هارون الرشيد قبل أن يقتله سبقت ترجمته.
[٥] - التوقيع: الحاق شيء فى الكتاب بعد الفراغ منه.
[٦] - المنصور: أبو جعفر عبد اللّه الخليفة العباسى الثانى و قد سبقت ترجمته.
[٧] - مروان بن زنباع العبسى من رجالات بنى عبس و حكمائهم و يعتبر من الرجال الأوفياء من العرب، قيل أنه كان من وفائه أن أخذ عودا من الأرض و دفعه رهنا بمائة من الإبل و وفّى بها( المحبّر- محمد بن حبيب- ص ٣٥٠، ٣٥١).