سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣١٤ - الباب الخامس و الثلاثون فى بيان السيرة التى يصلح عليها الأمير و المأمور و يستريح إليها الرئيس و المرءوس مستخرجة من القرآن العظيم
مجالس العوام، فألحقه بعالم الخنافس[١]، فإنه يعجبه أكل العذرات، و يألف روائح النجاسات، و لا تراه إلا ملابسا للأخلية و المراحيض، و ينفر من روائح المسك و الورد، و إذا طرح عليه المسك و الورد مات.
و إذا رأيت إنسانا إنّما دأبه حفظ الدنيا، لا يستحى فى الوثوب عليها، فألحقه بعالم الأحدية[٢]، بأن تنحّى رجلك عنه.
و إذا بليت بالرجل تظهر عليه الدّيانة و السّكينة، و قد نصب أشراكه لاقتناص الدنيا، و أكل أموال الودائع و الأمانات، و الأرامل و اليتامى، فألحقه بعالم الذّئاب، و هو كما قال فيه القائل:
|
ذئب تراه مصلّيا |
فإذا مررت به ركع |
|
|
يدعو و جلّ دعائه |
ما للفريسة لا تقع |
|
|
عجّل بها يا ذا العلا |
إن الفؤاد قد انصدع |
|
احترز منه كما تحترز من الذئب.
و إذا بليت بصحبة إنسان كذاب، فاعلم أنّ الإنسان الكذاب كالميّت فى الحكم، لأنه لا يقبل له خبر كما لا خبر للميّت، و كما لا تصحب الموتى لا تصحب الكذّاب، و قيل فى المثل: (كل شيء شيء و صحبة الكذاب لا شيء) و يجوز أن يلحق بعالم النّعام، فإنّه يدفن جميع بيضه تحت الرّمل ثم يترك واحدة على وجه الرمل، و أخرى تحت طاقة من الرمل، و سائر بيضه فى قعر الحفرة، فإذا رآه الغرّ[٣] يأخذ تلك البيضة و ينصرف، أو يكشف عن وجه الرمل فيجد الأخرى، فيظنّ أنه ليس ثمّ شيء آخر، و الخبير بحالة النعام إذا رأى البيضة لا يزال يحفر حتى يصل إلى حاجته، و لا يغتر بتلك البيضة، كذلك الكذاب إذا سمعت منه خبرا لا تصدّقه حتى تبلغ الغاية فى الكشف عنه.
و إذا رأيت الرجل إنّما دأبه يصنع نفسه، كما تصنع العروس لبعلها، يبيّض ثيابه و يعدّل عمامته، و يتقى أن يمسّه شيء غيره، و ينظر فى عطفيه[٤]
[١] - الخنفساءة: دويبة سوداء أصغر من الجعل كريهة الرائحة.
[٢] - مفردها حدأة و هى الطائر الذى يصطاد الجرذات.
[٣] - الغرّ: الجاهل.
[٤] - عطفيه: جانبيه.