سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٨٢ - و أما القسم الثاني و هو الصبر على ما فات إدراكه
و قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه للأشعث بن قيس[١]: إن تجزع فقد استحق ذلك منك بالرّحم، و إن تصبر ففي ثواب الله تعالى خلف من ابنك، و إن تصبر جرى عليك القلم و أنت مأجور، و إن جزعت جرى عليك القلم و أنت مأزور[٢].
و نظمه أبو تمام[٣] فقال:
|
و قال عليّ في التّعازي لأشعث |
و خاف عليه بعض تلك المآثم |
|
|
أتصبر للبلوى عزاء و حسبة |
فتؤجر أم تسلو سلوّ البهائم |
|
|
خلقنا رجالا للتّجلّد و العزا |
و تلك الأيامى للبكا و المآثم |
|
و قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لرجل: إن صبرت مضى أمر الله و كنت مأجورا، و إن جزعت مضى أمر الله و كنت مأزورا.
و قال الحسن: و الله لو كلّفنا الجزع ما قمنا به، فالحمد لله الذي آجرنا على ما لو نهانا عنه لصرنا إليه.
و عن هذا قالت الحكماء: الجزع أتعب من الصبر، ففي الجزع التعب و الوزر، و في الصبر الراحة و الأجر، و لو صوّر الصبر و الجزع، لكان الصبر أحسن صورة و أكرم طبيعة، و كان الجزع أقبح صورة و أخور[٤] طبيعة، و لكان الصبر أولاهما بالغلبة، لحسن الخلقة و كرم الطبيعة.
و قال بعض العلماء: لو وكّل الناس بالجزع، للجئوا إلى الصبر.
و قال شبيب بن شيبة للمهدي[٥]: إن المرء أحقّ ما صبر عليه ما لم يجد سبيلا إلى دفعه، و أنشد:
|
و إذا تصبك مصيبة فاصبر لها |
عظمت مصيبة مبتل لا يصبر |
|
[١] - الأشعث بن قيس ممن اشترك مع على فى صفين، و قد سبقت ترجمته، و هنا يعزيه الإمام عليّ رضي الله عنه عن ابن له مات.
[٢] - مأزور: مقترف للوزر و الإثم.
[٣] - أبو تمام: هو حبيب بن أوس الطائى الشاعر العباسى المشهور، نشأ فى دمشق و توفى فى الموصل، مدح الخلفاء خاصة المعتصم، امتاز بخياله الواسع، توفى سنة ٢٣١ ه.( الأعلام ٢/ ١٦٥).
[٤] - أخور: أضعف.
[٥] - شبيب بن شيبة: أديب الملوك، و نديم الخلفاء من أهل البصرة توفى سنة ١٧٠ ه. و المهدي هو محمد بن أبى جعفر المنصور، ثالث الخلفاء العباسيين، و قد سبقت ترجمته، توفى سنة ١٦٩ ه.