سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٨٤ - و أما القسم الثالث و هو الصبر فيما ينتظر وروده
و قال بعض الرواة: دخلت مدينة يقال لها (ذمار)[١] فبينا أنا أطوف في خرابها، إذ رأيت مكتوبا على قصر خراب:
|
يا من ألحّ عليه الهمّ و الفكر |
و غيّرت حاله الأيّام و الغير[٢] |
|
|
أ ما سمعت بما قد قيل في مثل |
عند الإياس فأين اللّه و القدر |
|
|
نم للخطوب إذا أحداثها طرقت |
و اصبر فقد فاز أقوام بما صبروا |
|
|
فكلّ ضيق سيأتي بعده سعة |
و كلّ فوت وشيك بعده الظّفر |
|
و تحته مكتوب بخط آخر: لو كان كلّ من صبر أعقب الظفر صبرت، و لكنا نجد الصبر في العاجل يفني العمر و يدني من القبر، و ما كان أصلح لذي العقل موته و هو طفل، و السلام.
قلت لو رأيته لكتبت تحته: في الصبر استعجال الراحة، و انتظار الفرج، و حسن الظن بالله، و أجر بغير حساب. و في الجزع: استعجال الهمّ، و نهك البدن، و استشعار الخيبة، و سوء الظنّ بالله، و حمل الإثم مع العقوبة، و ما أحسن بذي العقل اجتناب هذا، و السلام.
و قال بعض البلغاء: من صبر نال المنى، و من شكر حصّن النعماء.
و قال الشاعر:
|
الصبر مفتاح كلّ خير |
و كلّ شرّ به يهون |
|
|
اصبر و إن طالت اللّيالي |
فربّما ساعد الحرون[٣] |
|
|
و ربّما نيل باصطبار |
ما قيل هيهات لا يكون |
|
و قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه و عوضه صبرا، إلّا كان ما عوضه أفضل مما انتزعه منه، و قرأ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: ١٠].
و روي أن جارية كانت لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه، تتصرف في حوائجه، فكلما خرجت تصدى لها خياط كان بقرب دار علي، يقول لها:
[١] - ذمار: اسم قرية باليمن على مرحلتين من صنعاء ينسب إليها نفر من أهل العلم، و قال قوم:
ذمار اسم لصنعاء( معجم البلدان ياقوت الحموى ج ٣/ ص ٧).
[٢] - غير الدهر: أحواله المتغيرة.
[٣] - يقال: حرن البغل و الحصان إذا وقف و لم ينقد، و حرن العسل فى الخلية إذا لزق فعسر نزعه.