سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٣٨ - الباب الرابع فى بيان معرفة ملك سليمان بن داود
الباب الرابع فى بيان معرفة ملك سليمان بن داود ٨ و وجهه طلبه الملك، و سؤاله أن لا يؤتى لأحد من بعده
فإن قال لنا قائل: أ ليس سليمان بن داود ٨، قال: قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: ٣٥]، فطلب الملك، ثم زاد على ذلك بأن لا يؤتى مثله أحد من بعده، و كان ظاهره يؤذن بالبخل.
و الكلام على هذه الآية من وجوه:
أحدها: أنه أنه إنما سأل هذا، بعد أن سلبه الله تعالى ملكه ثم أعاده إليه، فحين طلب الملك كان ملكا، فكأنّه قال: هذا الملك الذى جدّدته لى، هبه لى على صفات لا أعصيك فيها، أ فتسلبنى إيّاه و تعاقبنى. يدل هذا عليه أنه بدأ بالمغفرة، فقال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً أى: ملكا لا أعصيك فيه فتؤاخذنى، و الدليل على صحة هذا قوله تعالى: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ص: ٣٩] فكأنه أجاب دعاءه، فقال: تصرف كيف شئت فلا حساب عليك فيه.
و قيل: إن أعطيت أجرت، و ان أمسكت فلا تبعة عليك فيه. و هذا تخصيص لسليمان بن داود ٨، و لم يخص به أحد من ولد آدم سواه، لأن الله تعالى قال للخلائق: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ٩٢، ٩٣].
و أما قوله: لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، فمعناه: لا أسلبه فى باقي عمري فيصير لغيري. كما سلبته فيما مضى من عمري.
و قيل: لا تسلّط عليّ فيه شيطانا مثل الذى قد سلّطت عليّ.
و قيل: إنّما سأل ذلك ليكون علما له على المغفرة و قبول التوبة، فأجيب إلى ذلك، فعلم أنه قد غفر له.
و قيل: إنما سأل ذلك ليكون آية لنبوّته و علما على معجزته.