سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٦٧ - فصل فيمن استبصر من أبناء الملوك عيب الدنيا و فناءها
لهما، فإذا هو ليس به، فدعا فردّ، ثم دلّتاه على قبر آخر، فدعا أن يخرج فخرج، فإذا هو، فلزمتاه و سلّمتا عليه، ثم قالتا: يا نبيّ الله، يا معلّم الخير، ادع الله تعالى أن يبقيه معنا، فقال: و كيف أدعو له و لم يبق له رزق يعيش به؟ ثم ردّه و انصرف.
و أنشدني بعض الأدباء[١]:
|
وا أسفي من فراق قوم |
هم المصابيح و الحصون |
|
|
و المزن و المدن و الرّواسي |
و الخير و الأمن و السّكون[٢] |
|
|
لم تتغيّر بنا الليالي |
حتّى توفّتهم المنون[٣] |
|
|
فكلّ جمر لنا قلوب |
و كلّ ماء لنا عيون |
|
و روي أن النعمان بن المنذر[٤]. خرج متصيدا، و معه عدي بن زيد[٥]، فمروا بشجرة، فقال عديّ بن زيد: أيها الملك، أ تدري ما تقول هذه الشجرة؟
قال: لا، قال: إنها تقول:
|
من رآنا فليحدّث نفسه |
أنّه موف على قرب زوال[٦] |
|
|
و صروف الدّهر لا يبقى لها |
و لما تأتي به صمّ الجبال |
|
|
ربّ ركب قد أناخوا حولنا |
يشربون الخمر بالماء الزّلال |
|
|
عمروا الدّهر بعيش حسن |
آمني دهرهم غير عجال |
|
|
عصف الدّهر بهم فانقرضوا |
و كذاك الدّهر حالا بعد حال |
|
قال: ثم جاوزوا الشجرة، فمروا بمقبرة، فقال له عديّ: أيّها الملك، أ تدري ما تقول هذه المقبرة؟ قال: لا، قال: إنّها تقول:
|
أيا الرّكب المخبّونا |
على الأرض المجدّونا[٧] |
|
|
كما أنتم كذا كنّا |
كما نحن تكونونا |
|
[١] \* نسب صاحب كتاب وفيات الأعيان هذه الأبيات إلى الشاعر الوزير عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، الشاعر الوزير، توفي سنة ٣٠٠ ه.
[٢] - المزن: السحاب. الرواسي: الجبال.
[٣] - في تاريخ بغداد و كتاب الأمالي في لغة العرب:[ لم تتغير لنا الليالي ...].
[٤] - النعمان بن المنذر: أشهر ملوك الحيرة اللخميين و آخرهم، خلعه كسرى و سجنه في المدائن، و عرف بأبي قابوس، و قيل: أنه صاحب يومي« البؤس و النعيم»، مات حوالي سنة ٦٠٨ م.( الأعلام ٨/ ٤٣).
[٥] - عدي بن زيد: سبقت ترجمته.
[٦] - في( ط) سؤال بدل زوال، و كلاهما صحيح، و في الحماسة البصرية( قروب الزوال).
[٧] - الركب: أصحاب الإبل في السفر، و الخب ضرب من المشي. و المعنى: أنكم تسيرون بجد و سرعة.