سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٣٠ - الباب السابع و الخمسون فى تحريم السعاية و النميمة و قبحها و ما يؤول إليه أمرها من الأفعال الرديئة و العواقب الذميمة
نمّاما، فقال: يا رب: من هو حتى نخرجه من بيننا؟ فأوحى اللّه تعالى إليه: «يا موسى أنهاكم عن النميمة و آتيها؟!». فتابوا فأرسل اللّه سبحانه عليهم الغيث.
و لما لقى أسقف نجران عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، قال له: يا أمير المؤمنين، أحذر قاتل الثلاثة. قال: و من قاتل الثلاثة؟ قال: الرجل يأتي الإمام بالحديث الكذب فيقبله الإمام، فيكون قد قتل نفسه و صاحبه و إمامه. فقال عمر: ما أراك أبعدت.
و وجدنا فى حكم القدماء: أبغض الناس إلى الله: المثلّث. قال الأصمعى:
هو الرجل يسعى بالنميمة بأخيه إلى الإمام، فيهلك نفسه و أخاه و إمامه.
و ذكرت السّعاية عند المأمون، فقال: لو لم يكن من عيبهم، إلا أنهم أصدق ما يكونون، أبغض ما يكون عند اللّه تعالى.
و قال حكيم الفرس: الصدق زين كلّ أحد إلا السّعاية، فإن الساعى أذمّ[١] و آثم ما يكون إذا صدق.
و روى أن رجلا سعى بجار له عند الوليد بن عبد الملك[٢]، فقال له الوليد:
أما أنت فتخبرنا أنك جار سوء، إن شئت أرسلنا معك، فإن كنت صادقا أبغضناك، و إن كنت كاذبا عاقبناك، و إن شئت تاركناك[٣]، قال: تاركنى يا أمير المؤمنين قال: قد تاركناك.
و للّه درّ الإسكندر حين وشى إليه واش برجل- فقال له الإسكندر: إن شئت قبلناك على صاحبك بشرط أن نقبله عليك، و إن شئت أقلناك، قال: أقلنى، قال: قد أقلناك، كفّ عن الشر يكفّ عنك الشر.
و من العجب الذى لا عجب بعده: أنّ الرجل يشهد عندك فى باقة بقل[٤]، فلا تقبله حتى تسأل النّاس عنه، هل هو من أهل الثقة، و العدالة، و الأمانة، و الصيانة، ثم ينمّ عندك بحديث، فيه الهلاك و فساد الأحوال، فتقبله.
[١] - أذم: أى فعل ما يذم به.
[٢] - الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموى السادس سبقت ترجمته.
[٣] - تاركه: خلّاه و سالمه.
[٤] - البقل: نبات عشبى يتغذى به الإنسان.