سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٦٩ - الباب التاسع و الأربعون فى سيرة السلطان فى الإنفاق من بيت المال و سيرة العمال
[أنا حجيج المظلوم؛ فمن حاججته حججته][١] و لكن ائذن لى آتي أهلي، فأذن له، فأتى أهله، فبعث عمر رجلا يقال له (خبيب) بمائة دينار، فقال:
ائت عميرا، فأنزل عليه ثلاثا[٢]، فإن يك خائنا، لم يخف عليك فى عيشه، و حال أهل بيته، و إن لم يك خائنا لم يخف عليك، فادفع إليه المائة.
فأتاه خبيب فنزل به ثلاثا، فلم ير له عيشا إلا الشعير و الزيت، فلما مضت ثلاث، قال: يا خبيب: إن رأيت أن تحول إلى جيراننا فلعل أن يكونوا أوسع عيشا منا، أمّا نحن فو الله لو كان عندنا غير هذا لآثرناك به.
قال فدفع إليه المائة، و قال: بعث بها إليك أمير المؤمنين، فدعا بفرو خلق[٣] لامرأته، فصيّرها الخمسة، و الستة، و السبعة، فقسمها.
فقدم خبيب على عمر فقال: يا أمير المؤمنين: جئتك من عند أزهد الناس، و ما عنده من الدنيا لا قليل و لا كثير.
فبعث إليه عمر و قال: ما صنعت فى المائة يا عمير؟ قال: لا تسلنى عنها.
قال: لتخبرنّى.
قال: قسّمتها بينى و بين إخوانى المهاجرين و الأنصار.
قال: فأمر له بوسقى طعام و ثوبين، و قال: يا أمير المؤمنين: أما الثوبان فأقبل، و أما الوسقان فلا حاجة لي بهما، عند أهلى صاع من برّ هو كافيهم حتى أرجع إليهم.
و روي: أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، صرّ أربعمائة دينار، و قال للغلام: اذهب بها إلى أبى عبيدة بن الجراح[٤] ثم تلكّأ ساعة فى البيت، حتى ترى ما يصنع.
[١] - لم أجد هذا الحديث في الصحاح من الكتب، و قد وردت هذه الحكاية بكاملها مع اختلاف في الألفاظ في( حلية الأولياء ١/ ٢٤٧)، و لم يرد ذكر لهذا الحديث!
[٢] - أى أنزله فى ضيافته ثلاثة أيام، و ورد في الحلية أن اسمه: الحارث.
[٣] - الفرو الخلق أو الثوب الخلق: أى البالى.
[٤] - أبو عبيدة عامر بن الجراح: الأمير القائد فاتح الديار الشامية و الصحابى الجليل، أحد العشرة المبشرين بالجنة كان يلقب( أمين الأمة) من السابقين للإسلام ولاه عمر قيادة الجيش الزاحف إلى الشام بعد خالد بن الوليد، فتح البلاد و تعلقت به قلوب الناس لرفقه و تواضعه توفى بطاعون عمواس و دفن فى غور الأردن سنة ١٨ ه.( الأعلام ٣/ ٢٥٢).