سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٢٩ - الباب السابع و الخمسون فى تحريم السعاية و النميمة و قبحها و ما يؤول إليه أمرها من الأفعال الرديئة و العواقب الذميمة
فقالوا: يا رسول الله، لم فعلت هذا؟ قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا»[١]، و ذلك لبركة يده صلى اللّه عليه و سلم.
و أما السّعاية إلى السلطان و إلى كل ذى قدرة و مكانة، فهي المهلكة و الحالقة[٢]، تجمع إلى الخصال المذمومة: الغيبة، و لؤم النميمة، و التغرير بالنفوس و الأموال[٣]، و القدح فى المنازل و الأحوال[٤]، و تسلب العزيز عزّه، و تحطّ المكين[٥] عن مكانته، و السّيد عن مرتبته، فكم من دم أراقه سعي ساع، و كم حريم استبيح بنميمة باغ، و كم من صفيّين تقاطعا، و من متواصلين تباعدا، و من محبّين تباغضا، و من إلفين تهاجرا، و من زوجين افترقا.
فليتق اللّه ربه، رجل ساعدته الأيام، و تراخت عنه الأقدار، أن يصيخ لساع[٦]، أو يسمع لنمام.
و روى ابن قتيبة[٧] أن النبى صلى اللّه عليه و سلم قال: «الجنة لا يدخلها ديّوث و لا قلّاع»[٨].
فالدّيّوث: الذى يجمع بين النساء و الرجال، سمى بذلك لأنه يديّث بينهم.
و القلّاع: الساعى الذى يقع فى الناس عند الأمراء، لأنه يقصد الرجل المتمكن عند السلطان، فلا يزال يقع فيه حتى يقلعه.
و قال كعب: أصاب النّاس قحط شديد على عهد موسى، ٧، فخرج موسى يستسقى ببنى إسرائيل، فلم يسقوا، ثم خرج ثانية فلم يسقوا، ثم خرج الثالثة، فأوحى اللّه تعالى إليه: «إني لا أستجيب لك و لا لمن معك»، فإنّ فيكم
[١] - روى هذه الزيادة الإمام أحمد فى مسنده عن أبى إمامة و عن ابى بكرة و قال المنذرى: رواه الإمام أحمد و غيره بإسناد رواته ثقات.( الترغيب و الترهيب- المنذرى- ٣/ ٢٩٤- ٣٠١).
[٢] - روى الترمذى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قوله:« فساد ذات البين هى الحالقة، لا أقول تحلق الشعر و لكن تحلق الدين).
[٣] - التغرير بالنفوس و الأموال: تعريضها للهلاك.
[٤] - القدح في المنازل و الأحوال: سبّ ذوي المناصب العالية.
[٥] - المكين: صاحب المكانة العالية.
[٦] - يصيح لساع: يصغي و يستمع لنمّام أو واش.
[٧] - هو ابن قتيبة الدينورى عبد اللّه بن مسلم من أئمة الأدب و من المصنفين المكثرين ولد ببغداد و سكن الكوفة و ولى قضاء( دينور) فنسب إليها و توفى ببغداد سنة ٢٧٦ ه. و قيل سنة ٢٩٦( طبقات المفسرين للداودي ١/ ٤٤).
[٨] - الحديث: رواه الطبرانى عن عمار بلفظ:( لا يدخل الجنة ديّوث).