سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣١٥ - الباب الخامس و الثلاثون فى بيان السيرة التى يصلح عليها الأمير و المأمور و يستريح إليها الرئيس و المرءوس مستخرجة من القرآن العظيم
و يطرح القذى عن ثوبيه، ليس له همّة بين الجلساء إلا نظره إلى نفسه، و إصلاح ما انثنى من ثيابه، فألحقه فى عالم الطواويس الذى هذه صفته، فإنه يتبختر فى مشيته، و ينظر إلى نفسه، و يفرش ذنبه فيتّخذه الملوك استحسانا له.
و إذا بليت بإنسان حقود لا ينسى الهفوات، و يجازى بعد المدّة على السّقطات، فألحقه بعالم الجمال، و العرب تقول: (فلان أحقد من جمل و تجنب قرب الجمل الحقود)، فاجتنب صحبة الرّجل الحقود.
و إذا بليت بإنسان منافق، يبطن خلاف ما يظهر، فألحقه بعالم اليربوع، فإن اليربوع- و هو فأر يكون فى البرية- يتخذ جحرا تحت الأرض، يقال له (النّافقاء)، و له فوّهتان، يدخل من إحداهما و يخرج من الأخرى، و منه اشتق اسم المنافق، فإذا همّ أحد بأخذه دخل جحره و خرج من الباب الآخر، فيحفر الصيّاد خلفه فلا يظفر بشىء، كذلك حال المنافق لا يصحّ منه شيء.
و على هذا النّمط كن فى صحبة الناس، تستريح منهم و تريحهم منك، فلعمرو الله ما استقامت لى صحبة الناس، و سكنت نفسى و استراحت من مكابدة أخلاقهم، إلا من حيث سرت معهم بهذه السيرة.
و قال الرّياحى[١]: يا بنى رياح: لا تحقروا صغيرا تأخذون عنه، فإنى أخذت من الثعلب روغانه، و من القرد مكايده، و من السّنور ضرعه[٢]، و من الكلب نصرته، و من ابن آوى حذره، و قد تعلّمت من القمر مشى الليل، و من الشمس الظهور فى الحين بعد الحين.
[١] - الرّياحى: خالد بن عتّاب بن ورقاء الرياحى، شجاع من الأبطال، حارب الخوارج فى جيش الحجاج، فقتل أخا شبيب الخارجى و غزالة الخارجية، فالتحم معه أصحاب شبيب، فانهزم و القى نفسه مع فرسه فى دجلة فغرق، فقال شبيب: قاتله الله، هذا أشد الناس و ذلك سنة ٧٧ ه( الأعلام ٢/ ٢٩٧).
[٢] - التضرع: التذلل فى ضعف أو روغان.