سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٥٨ - فصل فى بعض الحكايات عن الفرج بعد الشدة
و حدثنى أبو القاسم الحضرمى: قال: كنت باليمن فى أرض الصّليحي[١]، فوشي بي إلى السلطان، فأمر بقتلى، فأخرجت و قدّمت للقتل، و تركنى السيّاف، ثم قال لى: مد رقبتك، فمددت عنقى لقضاء الله تعالى، ثم قال لي السيّاف: اشتد، فقلت: دونك يا هذا، فبينا نحن كذلك، إذا بصائح من داخل القصر: لا تقتلوه، فخلّوا سبيلى.
و جرت بقرطبة[٢] قصة غريبة فى ايام المنصور بن أبى عامر[٣]، و ذلك أن رجلا يعرف بقاسم بن محمد السنبسى- شهد عليه بالزندقة- فحبسه المنصور مدة مع جماعة من الأدباء من وجوه قرطبة، مرموقون[٤] بالانهماك و الزندقة، و كان ينادى عليهم فى كل جمعة، يوقفون إثر صلاة الجمعة بباب الجامع الأعظم: من كانت عنده شهادة فيهم فليؤدّها، فثبت على قاسم عند القاضى سجل شهادات الشهود، بأنواع منكرة تتضمن الزندقة و الكفر، فطلعوا إلى القصر و عقدوا مجلسا عظيما، و حضر أبوه، و حضر ابنان صغيران لقاسم، و لبسوا ثياب الحداد، و حمل أبوه معه نعشا و حمالين، و جعل أبوه و الصّبيّان يبكون على باب القصر، و أحضر لضرب عنقه سيّاف يعرف (بابن الجندى) و دفعت إليه أسياف من القصر، فجعل يروزها و يلمس شفارها[٥]، و أبوه و ابناه ينظران.
و حضر الفقيه أبو عمرو المكودى الإشبيلى[٦] على كره منه- و كان يأبى الحضور- فاستفتوه، فقال: يا هؤلاء، إن الدماء لا تسفك إلا بالحق الواضح دون الشّبه، احسبوا أن السّنبسي فرّوجا، بما ذا تذبحونه؟ فقال القاضى ابن
[١] - الصليحي: علي بن محمد بن علي الصليحي، كانت له سلطنة اليمن، و كان على مذهب الإمامية حيث دعا للمستنصر صاحب مصر، و سمي بالداعي، قتل و هو في طريق الحج سنة ٤٢٩ ه( الوافي بالوفيات ٢٢/ ٥٠).
[٢] - قرطبة: مدينة فى الأندلس على الوادى الكبير و هى عاصمة الدولة الأموية فى الأندلس أسسها عبد الرحمن الداخل و كانت مركزا حضاريا و ثقافيا ينسب إليها الكثير من العلماء من أثارها قصر الزهراء.
[٣] - المنصور بن أبى عامر أمير الأندلس الذى استقل بأمور الدولة ستا و عشرين سنة مات سنة ٣٩٣ ه، سبقت ترجمته.
[٤] - مرموقون: متّهمون. و في( خ): مرموقون بالانهماك في الزندقة.
[٥] - يروزها و يلمس شفارها: يختبر حدّها و سرعتها في القطع.
[٦] - أحمد بن عبد الملك الإشبيلي أبو عمرو المعروف بابن المكوي، شيخ الأندلس في وقته حيث انتهت إليه رئاسة الفقه و اعتلى على الفقهاء و نفذت الأحكام برأيه، كان لا يداهن السلطان و لا يدع قول الحق، توفي سنة ٤٠١ ه( الديباج المذهب ص ٣٩).