سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٤٠ - فصل فى القصاص بين البهائم
يجرى القصاص بينها. قال: و يحتمل أنّها كانت تعقل هذا القدر فى دار الدنيا، فلهذا أجري فيه القصاص.
و كلام الأستاذ له وجه في الصحة، لأن البهيمة تعرف النّفع و الضّرّ، فتنفر من العصا و تقبل إلى العلف، و ينزجر الكلب إذا زجر، و يستأسد إذا أشلي[١]، و الطير و الوحش يفرّ من الجوارح استدفاعا لشرّها، ثم إن لم يجر عليها القتل فى الدّنيا فإنما رفع القتل عنها فى الأحكام.
فإن قيل: القصاص انتقام، و هو جزاء على جناية وقعت من مخالفة الأمر، و البهائم ليست بمكلفة، و لا لها عقول، و لا جاءها رسول، و العقول عندكم لا يجب بها شيء على العقلاء، فضلا عن البهائم، و فى هذا انفصال عن قول الأستاذ[٢] إنها كانت تعقل هذا القدر، إذ لا يجب بالعقل شيء، و يشهد له قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥].
فالجواب: أنّها ليست مكلفة، لأن من ضرورة التكليف: أن يعلم الرسول و المرسل، و ذلك من خصائص العقلاء، و هم: الثقلان[٣].
و إذا لم تكن مكلّفة: كانت فى المشيئة، يفعل الله بها ما أراد، كما سلط عليها فى الدنيا: الاستخمار[٤] و الذبح فلا اعتراض عليه، و لله تعالى أن يفعل فى ملكه ما أراد من تنعيم و تعذيب، و إذا جاز أن يؤلم البهيمة ابتداء، جاز أن يؤلمها بعد حياتها.
و الآية محمولة على من يعلم الرسول و المرسل، ثم إن لم يجر عليهم القلم فى الدنيا، فإنما رفع القلم عنها فى الأحكام، و لكن فيما بينها تؤاخذ.
و قد روى البخاري أن النبى صلى اللّه عليه و سلم قال: «اقتلوا الوزغ[٥] فإنه كان ينفخ على
[١] - إذا أشلى: أى دعى للصيد، قال ابن السكيت: يقال: أوسدت الكلب بالصيد و أسدته إذا أغريته به، و لا يقال أشليته إنما الأشلاء: الدعاء( لسان العرب، باب: شلا- مختار الصحاح- الرازى ص ٣٠٤).
[٢] - أى الأستاذ أبى إسحاق الإسفرايينى.
[٣] - الثقلان: الإنس و الجن.
[٤] - الاستخمار: النحر و الشق: نقول: مخر الذئب الشاة أى شقّ بطنها و منها المواخر و هى السفن التى تشق المياه.
[٥] - الوزغ: دويبة من الزحافات أشبه بالسحلية و هى سامة.