سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٩٥ - الباب الثالث و الخمسون فى بيان الشروط و العهود التى تؤخذ على العمال
و روى عباية بن رفاعة[١] قال: بلغ عمر بن الخطاب أن سعدا بن أبى وقاص[٢]، اتخذ قصرا و جعل عليه بابا، و قال: انقطع الصويت، فأرسل عمر محمد بن مسلمة[٣]، و كان عمر إذا أحب أن يؤتى بالأمر كما هو عليه بعثه، فقال له: ائت سعدا فأحرق عليه بابه، فقدم الكوفة، فلما أتى الباب، أخرج زنده و استورى نارا، ثم أحرق الباب، فأتى سعدا الخبر، و وصف له بصفته فعرفه، فخرج إليه سعد، فقال له محمد: إنه قد بلغ أمير المؤمنين إنك قلت: انقطع الصويت، فحلف سعد بالله ما قال ذلك، فقال له محمد: نفعل الذى أمرنا به، و نؤدّي عنك ما تقول.
ثم ركب راحلته، فلما كان ببطن البريّة أصابه من الخمص[٤] و الجوع ما اللّه به أعلم، فأبصر غنما، فأرسل غلامه بعمامته، فقال: اذهب فابتع منهم شاة، فجاء الغلام بالشاة و هو يصلى، فأراد ذبحها. فأشار إليه: أن كف، فلما قضى صلاته، قال: انظر فإن كانت مملوكة مسيمتها[٥] فاردد الشاة و خذ العمامة، و إن كانت حرة فاذبح الشاة، فذهب فإذا هى مملوكة، فرد الشاة و أخذ العمامة، فأخذ بخطام ناقته، فجعل لا يمر ببقلة[٦] إلا خطفها، حتى آواه الليل إلى قوم، فأتوه بخبز و لبن، و قالوا: لو كان عندنا شيء غير هذا أتيناك به، فقال: بسم الله، كل حلال أذهب السّغب[٧] خير من مأكل السوء، حتى قدم المدينة فنزل بأهله، فابترد من الماء ثم راح، فلما أبصره عمر رضى اللّه عنه، قال له: لو لا حسن الظن بك ما رأينا أنك أدّيت،- و ذكروا أنه أسرع المسير- فقال: قد فعلت، و هو يعتذر و يحلف بالله ما قال. فقال عمر: هل آمر لك بشىء؟ قال: ما رأيت مكانا أن تأمر لى، فقال عمر: إن أرض العراق أرض رفيقة، و إن أهل المدينة يموتون حولى من الجوع، فخشيت أن آمر لك بشيء يكون لك باردة، و لي الحار.
[١] - عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج روى عن والده بعض الأحاديث.
[٢] - سعد بن أبى وقاص قائد جيوش المسلمين فى العراق و بطل القادسية، سبقت ترجمته.
[٣] - محمد بن مسلمة: صحابى من الأمراء من أهل المدينة، شهد الغزوات إلا تبوك حيث استخلفه النبى صلى اللّه عليه و سلم على المدينة، ولاه عمر على صدقات جهينة و كان عند عمر معدا لكشف أمور الولاة فى البلاد، مات بالمدينة سنة ٤٣ ه( الأعلام ٧/ ٩٧).
[٤] - الخمص: الجوع، و المخمصة: خلاء البطن من الطعام.
[٥] - المسيمة: التى بها علامة يعرف من خلالها مالكها.
[٦] - البقل: نبات عشبى يتغذى به الإنسان.
[٧] - السغب: الجوع، و المسغبة: المجاعة و منه قوله تعالى: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ[ البلد: ١٤، ١٥].