سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٩٦ - الباب الثالث و الخمسون فى بيان الشروط و العهود التى تؤخذ على العمال
و روى زيد بن أسلم، ان عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، استعمل مولى له يدعى [هنيا] على الحمى[١]، فقال: يا هنيّ: اضمم جناحك عن المسلمين[٢]، و اتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مستجابة و أدخل ربّ الصّريمة و الغنيمة[٣]، و إياك و نعم ابن عوف، و نعم ابن عفان[٤]، فإنهما أن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى زرع و نخل، و إنّ ربّ الصريمة و الغنيمة إن تهلك ماشيتهما، يأتينى ببيّنة فيقول: يا أمير المؤمنين، أ فتاركهم أنا لا أبا لك؟
فالماء و الكلأ أيسر علىّ من الذهب و الورق[٥]، و أيم الله، إنهم ليرون أنى قد ظلمتهم، إنها لبلادهم قاتلوا عليها فى الجاهلية، و أسلموا عليها فى الإسلام، و الذى نفسى بيده، لو لا المال الذى أحمل عليه فى سبيل الله، ما حميت[٦] عليهم من بلادهم شبرا.
و مرّ يوما ببناء يبنى بحجارة و جص، فقال: لمن هذا؟ فذكروا له أنه لعامل من عماله على البحرين، فقال: أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها. و قاسمه ماله.
و كان يقول لى: على كل خائن أمينان: الماء، و الطين.
و كان أنوشروان يكتب على عهد العمال، سس خيار الناس بالمحبة، و امزج للعامة الرّغبة بالرّهبة، و سس سفلة الناس بالإخافة.
و قال سليمان بن داود ٨: كما يصلح المهمز[٧] للفرس، و الرسن للحمار، كذلك يصلح القضيب لظهر الجهّال.
و فى الأمثال: من لم يصلح باللّين أصلح بالتّليين.
[١] - الحمى: ما يحمى و يدافع عنه و هى هنا المراعى الخاصة بإبل الصدقة.
[٢] - أى أرفق بهم و ألن جانبك لهم.
[٣] - أى أدخل فى المرعى صاحب الإبل القليلة و الغنم القليلة( لسان العرب ٣/ ٤٣٥).
[٤] - أى إبل و أغنام و ماشية عبد الرحمن بن عوف و عثمان بن عفان و كانت أموالهم كثيرة.
[٥] - الورق: الفضة أو الدراهم المضروبة.
[٦] - ما حميت عليهم: أي ما جعلتها حمى لا تقرب.
[٧] - المهمز: ما يهمز به كالعصا و ما شابهها.