سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٣٢ - الباب السابع و الخمسون فى تحريم السعاية و النميمة و قبحها و ما يؤول إليه أمرها من الأفعال الرديئة و العواقب الذميمة
إليكم نقل عنكم، و إياكم و التزويج فى البيوتات السوء، و استكثروا من الصديق ما استطعتم، و استقلّوا من العدو ما استطعتم، فإن استكثاره ممكن.
و قال بعض الحكماء: احذروا أعداء العقول، و لصوص المودّات- و هم السعاة و النمّامون- إذا سرق اللصوص المتاع سرقوا المودّات.
و قال حكيم العرب: إيّاك و السّعاة فإنهم أعداء عقلك، و لصوص عدلك، فيفرّقون بين قولك و فعلك.
و فى المثل السائر: من أطاع الواشى ضيّع الصديق، و قد يقطع الشجر فينبت، و يقطع اللحم بالسيف فيندمل[١]، و اللسان لا يندمل جرحه.
و أحق الناس برعاية ما رسمته من هذه الخلال، و نقلته من هذه الحكم، و استودعته من هذه السير، من آتاه اللّه سلطانا و مكّن له فى الأرض قدما، فذو القدرة إذا أطاع الواشى هلك العالم.
و كان بعض الحكماء يقول: من أراد أن يسلم من الإثم، و يبقى له الإخوان، فيجعل نفسه بينه و بينهم قاضيا عدلا، و يحكم بالعدل، و لا يقبل أحدا فى أحد، و لا فى نفسه، إلا بشهود و تعديل، فإنّا قد أحببنا بقول أقوام، و أبغضنا بقول آخرين، فأصبحنا نادمين.
و من لطيف حكمة اللّه تعالى فى النميمة، لما علم من شؤمها، و استطارة شرورها، و عموم مضرّتها فى الورى، حكم بفسق النمّام حتى لا يقبل له قول، فيستريح الخلق من شرّه.
و قال ابن عمر: وفد اللّه الحاجّ، و وفد الشيطان قوم يرسلهم السلطان إلى الناس، و يسألهم عن حالهم، فيخبرونه أن الناس راضون و ليسوا براضين.
و اعلموا أن اللّه تعالى خلق الإنسان على أنحاء شتى، لسنا نذكرها الآن لكثرتها و طول تتبّعها، فخلق اللّه الحواسّ الشّريفة، و الأعضاء النّافعة النفيسة، فمن أفضل ما ركّب فيه اللّسان، الذى هو آلة النّطق و البيان، و به فصل بينه و بين البهائم، ثم فضّله على سائر الحيوان، و امتنّ عليه فى أوّل سورة الرحمن، فقال تعالى: الرَّحْمنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ. عَلَّمَهُ
[١] - اندمل الجرح: تماثل و تراجع إلى البرء.