سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٦٠ - الباب الثلاثون في الجود و السخاء و هذه الخصلة الجليل قدرها، العظيم موقعها الشريف موردها و مصدرها
و السّخاء في الدين، أن تسخو بنفسك أن تتلفها في اللّه تعالى[١]، و تريق دمك في الله سماحة من غير كراهة، لا تريد بذلك ثوابا عاجلا و لا آجلا، و إن كنت غير مستغن عن الثواب، لأن الغالب على قلبك حسن كمال السخاء، بترك الاختيار على اللّه تعالى، حتى يفعل الله بك ما لا تحسن أن تختاره لنفسك.
و قيل لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: من السيد؟ قال: الجواد إذا سئل، الحليم إذا استجهل، الكريم المجالسة لمن جالسه، الحسن الخلق لمن جاوره.
و قال النعمان بن المنذر[٢] يوما لجلسائه: من أفضل الناس عيشا و أنعمهم بالا، و أكرمهم طباعا، و أجلهم في النفوس قدرا؟ فسكت القوم، فقال: فتى:
- أبيت اللعن[٣]- أفضل الناس من عاش الناس في فضله، قال: صدقت.
و قال الحسن[٤]: باع طلحة بن عثمان[٥] أرضا، بسبعمائة ألف درهم، فلما جاءه المال، قال: إن رجلا يبيت هذا عنده لا يدري ما يطرقه لغرير باللّه، ثم جعل رسوله يختلف حتى قسّمها، و ما أصبح عنده منها درهم.
و كان أسماء بن خارجة[٦] يقول: ما أحب أن أردّ أحدا عن حاجة، لأنه إن كان كريما أصون عرضه، و إن كان لئيما أصون عنه عرضي.
و كان مورّق العجلي، يتلطف في ادخال الرفق على إخوانه، فيضع عند أحدهم ألف درهم، و يقول: أمسكوها حتى أعود إليكم، ثم يرسل إليهم: أنتم منها في حل.
[١] - هكذا في( خ)، و في( ط) أن تسخو بنفسك أن يتلفها اللّه تعالى.
[٢] - النعمان بن المنذر: أشهر ملوك الحيرة سبقت ترجمته.
[٣] - أبيت اللعن: تحية الملوك في الجاهلية و معناها: لا فعلت أيها الملك ما تستوجب به اللعن.
[٤] - الحسن البصري سبقت ترجمته.
[٥] - طلحة بن عبيد اللّه بن عثمان الصحابي المعروف بكرمه.
[٦] - أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري، تابعي من أهل الكوفة كان سيد قومه جوادا مقدما عند الخلفاء و لما سأله عبد الملك بن مروان بم سدت الناس؟ قال ما سألني أحد حاجة إلا رأيت له الفضل عليّ مات سنة ٦٦ ه.