سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥٢ - الباب الأول في مواعظ الملوك
إن كنت إذا عصيت الله ظننت أنه يراك فلقد اجترأت على ربّ عظيم، و إن كنت تظن أنه لا يراك فلقد كفرت بربّ عظيم.
و كتب علي بن أبي طالب[١] رضي الله عنه، إلى سلمان[٢]: إنما مثل الدنيا كمثل الحيّة، لمسها ليّن و يقتل سمّها، فأعرض عنها و عمّا يعجبك منها، لقلة ما يصحبك منها، ودع عنك همومها لمّا تيقّنت من فراقها، و كن أسرّ ما تكون فيها، أحذر ما تكون منها، فإنّ صاحبها كلّما اطمأنّ فيها إلى سرور أشخص منها إلى مكروه.
و قال أبو العتاهية[٣]:
|
هي الدّار دار الأذى و القذا |
و دار الفناء و دار الغير[٤] |
|
|
و لو نلتها بحذافيرها |
لمتّ و لم تقض منها وطر[٥] |
|
|
أيا من يؤمّل طول الحياة |
و طول الحياة عليه ضرر |
|
|
إذا ما كبرت و بان الشّباب |
فلا خير في العيش بعد الكبر[٦] |
|
و لما بلغ مراده من الدنيا، أفضل ما من سمت إليه نفسه، و رقّت إليه همّته، رفضها و نبذها، و قال: هذا سرور لو لا أنه غرور، و نعيم لو لا أنه عديم، و ملك لو لا أنه هلك، و غناء لو لا أنه فناء، و جسيم لو لا أنه ذميم، و محمود لو لا أنه مفقود، و غنى لو لا أنه منى، و ارتفاع لو لا أنه اتّضاع[٧]، و علاء لو لا أنه بلاء، و حسن لو لا أنه حزن، و هو يوم لا وثوق له بغد.
[١] - ورد في( ط) أن الكاتب هو: علي بن الحسين، و الصحيح أن هذا الكتاب للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجهه إلى سلمان الفارسي قبل أيام خلافته.( انظر: شرح نهج البلاغة، ٥/ ٢١٨).
[٢] - هو سلمان الفارسي: صحابي، أصله من مجوس أصبهان، رحل إلى الشام و الموصل و عمورية، و قصد بلاد العرب باحثا عن الحقيقة، و قد لقيه قوم فاستعبدوه، ثم أعانه المسلمون على التحرر و شراء نفسه من صاحبه، كان قوي الجسم صحيح الرأي، فهو الذي دلّ المسلمين على حفر الخندق في غزوة الأحزاب، قال فيه رسول الله صلى اللّه عليه و سلم:« سلمان منّا آل البيت» توفي سنة ٣٦ ه.
[٣] - أبو العتاهية: إسماعيل بن القاسم العنزي، من قبيلة عنزه، شاعر الكوفة المعروف، أغلب شعره في الزهد، و التنكر للدنيا مع حرصه الشديد على المال، بلغ منزلة عالية عند هارون الرشيد بعد أن اتصل بالمهدي و الهادي، توفي سنة ٢١١ ه، ٨٢٥ م.
[٤] - دار الغير: دار الغروب، و الزوال و الأحداث المتغيرة.
[٥] - الوطر: الحاجة و البغية.
[٦] - بان الشباب: بعد و انقطع.
[٧] - اتضاع: خضوع و ضعف و انحطاط، يقال: تضعضع به الدهر: أي أذلّه.