سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣١٣ - الباب الخامس و الثلاثون فى بيان السيرة التى يصلح عليها الأمير و المأمور و يستريح إليها الرئيس و المرءوس مستخرجة من القرآن العظيم
فعامله بما كنت تعامل به الكلب إذا أنبحك، أ لست تذهب فى شأنك و لا تخاصمه و لا تسبّه؟ فافعل بمن يهتضم[١] عرضك مثل ذلك.
و إذا رأيت إنسانا قد جبل على الخلاف، إن قلت: لا، قال: نعم، و إن قلت:
نعم، قال: لا، فألحقه بعالم الحمير، فإن دأب الحمار إن أدنيته بعد، و إن أبعدته قرب، و أنت تستمتع بالحمار، و لا تسبّه و لا تفارقه، فاستمتع أيضا بهذا الإنسان و لا تسبّه و لا تفارقه.
و إذا رأيت رجلا يطلب عثرات الناس و سقطاتهم، فمثله فى الأدميين كمثل الذّباب فى عالم الطيّر، فإنّ الذّباب يقع على الجسد فيتحامى[٢] صحيحه، و يطلب المواضع النّغلة[٣] منه.
و إذا بليت بسلطان يهجم على الأموال و الأرواح، فألحقه بعالم الأسود، و خذ حذرك منه كما تأخذ حذرك من الأسد، و ليس إلا الهرب منه كما قال النابغة[٤]:
|
و لا قرار على زأر من الأسد |
و إذا بليت بإنسان خبيث، كثير الرّوغان و المفاخرة، فألحقه بعالم الثعالب.
و إذا بليت بمن يمشى بالنّمائم و يفرّق بين الأحبة، فألحقه بعالم الظّربان[٥] (و هى دابة صغيرة)، تقول العرب عند تفرق الجماعة: (فسا بينهم ظربان فتفرقوا)- و خاصّة هذه الدويبة: إذا حصلت وسط جماعة أن يتفرقوا- و كما أنّ الجماعة إذا أقبلت نحوهم هذه الدابة، طردوها و منعوها الدخول بينهم، كذلك ينبغى إخراج النّمام من بين الجماعة، فإن لم يفعلوا يوشك أن يفرّق ما بينهم، و يفسد قلوب بعضهم على بعض.
و إذا رأيت إنسانا لا يسمع العلم و الحكمة، و ينفر من مجالس العلماء و الحكماء، و يألف سماع أخبار أهل الدنيا و سائر الخرافات، و ما يجرى فى
[١] - يظلمه و يكسر حقه.
[٢] - يتحامى: يبتعد.
[٣] - الفاسدة، و يسمى النغل( المتولد من الحصان و الأتان) بذلك.
[٤] - النابغة الذبيانى، الشاعر المعروف و قد سبقت ترجمته.
[٥] - الظربان: حيوان من اللواحم فى حجم القط، أغبر اللون، مائل إلى السواد، رائحته كريهة منتنة. يقال( فسا بينهم الظربان: اى تقاطعوا و تفرقوا).