سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٣٥ - الباب السابع و العشرون في المشاورة و النصيحة
و قيل لرجل من بنى عبس: ما أكثر صوابكم يا بني عبس! فقال: نحن ألف رجل، وفينا حازم واحد و نحن نطيعه، فكأنّا ألف حازم.
و كان ابن هبيرة[١] أمير البصرة يقول: اللهم إني أعوذ بك من صحبة من غايته خاصّة نفسه، و الانحطاط في هوى مستشيره.
و في حكم الهند: من التمس من الإخوان الرخصة عند المشورة، و من الأطباء عند المرض، و من الفقهاء عند الشّبه، أخطأ الرأي، و ازداد مرضا، و حمل الوزر.
و قال الحكماء: لا تشاور معلّما، و لا راعي غنم، و لا كثير القعود مع النساء، و لا صاحب حاجة يريد قضاءها، و لا خائفا و لا من يرهقه أحد السّبيلين[٢].
و قالوا: لا رأي لحانق، و لا لحازق، و لا لحارق، و لا لحاقب، و لا تشاور من لا دقيق عنده. (و الحازق: هو الذي ضغطه الخفّ الضيّق. و الحاقب: هو الذي يجد في بطنه ثقلا).
و قالوا: من شكا إلى عاجز أعاره عجزه، و أمدّه من جزعه.
و من لطيف ما جرى في الاستشارة: أن زياد بن عبيد اللّه الحارثي[٣] استشار عبيد الله بن عمر[٤]، في أخيه أبي بكر أن يولّيه القضاء، فأشار به، فبعث إلى أبي بكر، فامتنع عليه، فبعث زياد إلى عبيد اللّه يستعين على أبي بكر، فقال أبو بكر لعبيد اللّه: أنشدك اللّه، أ ترى لي القضاء؟ قال: اللّهمّ لا.
قال زياد: سبحان اللّه،، استشرتك فأشرت علي به، ثم أسمعك تنهاه! فقال:
أيّها الأمير: استشرتني فاجتهدت لك الرأى و نصحتك و نصحت للمسلمين، و استشارنى فاجتهدت له رأيى و نصحته.
[١] - عمر بن هبيرة بن سعد الفزارى: أمير من الدهاة الشجعان، شارك الحجاج في قتال مناوئي الأمويين و في عهد عمر بن عبد العزيز ولي الجزيرة و غزا الروم في أرمينية و هزمهم، ثم ولاه يزيد بن عبد الملك على العراق و خراسان ثم عزله هشام بن عبد الملك و ولى خالد القسري مكانه فقام بحبس ابن هبيرة و لكن تمكن من الهرب من السجن و ذهب إلى الشام و استجار بمسلمة بن عبد الملك الذي كان واسطته عند هشام الذي رضي عنه و أمنه توفي سنة ١١٠ ه.( الأعلام ٥/ ٦٨).
[٢] - السبيلين: مخرج البول و الغائط.
[٣] - زياد بن عبيد اللّه الحارثي: خال أبو العباس السفاح فقد ذكره ابن كثير في البداية و النهاية ضمن أحداث سنة ١٣٣ ه و ذكر تولية السفاح له على الحجاز و مات سنة ١٥٠ ه.
[٤] - عبيد اللّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أحد الفقهاء السبعة بالمدينة توفي سنة ١٤٧ ه.