سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٣٤ - الباب السابع و العشرون في المشاورة و النصيحة
و ذكر صاحب كتاب التاج[١]: أنّ بعض ملوك العجم استشار وزراءه، فقال أحدهم: لا ينبغي للملك أن يستشير منّا أحدا إلّا خاليا، فإنه أموت للسّرّ، و أحزم في الرأي، و أجدر للسّلامة، و أعفى لبعضنا من غائلة[٢] بعض.
و كان بعض ملوك العجم إذا شاور مرازبته[٣] فقصّروا في الرأي، دعا الموكلين بأرزاقهم فعاقبهم فيقولون: تخطئ مرازبتك و تعاقبنا؟! فيقول: نعم لم يخطئوا إلا لتعلق قلوبهم بأرزاقهم، و إذا اهتمّوا أخطئوا، و كانوا إذا اهتموا بمشاورة رجل بعثوا إليه بقوته و قوت عياله لسنته، ليتفرّغ لبّه.
و كان يقال: النّفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت.
و إذا شاورت فاصدق الخبر تصدقك المشورة، و لا تكتم المستشار فتؤتى من قبل نفسك.
و قال بعض ملوك العجم: لا يمنعك شدّة بأسك في باطنك، و لا علوّ مكانك في نفسك، من أن تجمع إلى رأيك رأي غيرك، فإن أحمدت أحببت، و إن أخطأت عذرت، فإن في ذلك خصالا منها: إن وافق رأيك رأي غيرك ازداد رأيك شدّة عندك، و إن خالفه عرضته على نظرك، فإن رأيته معتليا لما رأيته قبلته، و إن رأيته متصعبا استغنيت عنه، و تجد بذلك النصيحة ممن شاورته و إن أخطأ، و تمحض لك مودّته و إن قصّر، و لو لم يكن من فضيلة المشاورة إلا أنك إن أصبته مستبدا سلبت فائدة الإصابة بألسنة الحسدة.
و قال قائل: هذا اتّفاق، و لو فعل كذا لكان أحسن، و إذا شاورت فأصبت أحمد الجماعة رأيك، لأنّهم لنفوسهم يحمدون، و إن أخطأت حمل الجماعة خطأك، لأنهم عن نفوسهم يكافحون.
و اعلم أن القول الغليظ يستمع لفضل عاقبته، كما يتكاره شرب الدواء المرّ لفضل مغبّته.
و قال أعرابي: ما عثرت قطّ حتى عثر قومي. قالوا: و كيف ذلك؟ قال: لا أفعل شيئا حتى أشاورهم.
[١] - كتاب التاج في سيرة أنوشروان من الكتب المتحدثة بالحكمة و التي ألّفها الفرس لملوكهم.
[٢] - الغائلة: الدهاء و المكر و الشر و الفساد.
[٣] - المرازبة: كلمة فارسية تعني الرؤساء و المرزبة( الرئاسة).