سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٥٣ - الباب التاسع و العشرون فيما يسكن الغضب
الباب التاسع و العشرون فيما يسكّن الغضب[١]
فأول ذلك: أنّك إذا نظرت إلى تغيّر أشكالك[٢]، و تبدّل صورتك، و احمرار وجهك، و انتفاخ أوداجك، و ذهاب جنانك، و سقط كلامك، و فحش ما يخرج من فيك، لأمسكت عن الغضب، و لطالما كنت تستحي أن تتكلّم بين يدي الجلساء باليسير الجائز، فعمدت تهدر بالكثير الفاحش، و لو أن من غضب استذكر إذا صحا و سكن، غرّر به[٣] انقلاب صورته، و تغيّر وجهه، و اضطراب شفتيه، و ارتعاد أطرافه، و سقط كلامه، و فحوى خطابه، و التفاف لسانه، و خفّة عقله، و طيشه، و وثوبه من مجلسه كأنّه نمر، و سرعة التفاته يمينا و شمالا كأنه قرد، و عدم فهمه لما يسمع، و قلة التفاته إلى من يعظه و ينصحه كأنه أحمق.
و من شؤم الغضب و عظيم بليّته: أنه قد يقتل النفوس، و يسلب الرّوح، و كان سبب موت مروان بن عبد الملك[٤] أنه: وقع بينه و بين أخيه سليمان كلام، فعجل عليه سليمان، فقال: يا من يلحق أمّه، ففتح فاه ليجيبه، و إذا بجنبه عمر بن عبد العزيز، فأمسك على فيه، و ردّ كلمته، و قال: يا ابن عبد الملك، أخوك، و إمامك و له السّنّ عليك، فقال يا أبا حفص: قتلتني.
قال: و ما صنعت بك؟ قال: رددت في جوفي أحر من الجمر، و مال لجنبه فمات. و لعمري إنه يزيد على الحمقى.
[١] - في( خ) فيما يسكن فيه الغضب.
[٢] - في( خ) تغير استكانتك أي هدوئك.
[٣] - غرر به: عرضه للهلاك و في( خ) غر به أي شق عليه.
[٤] - مروان بن عبد الملك بن مروان الأموي: أمير من شجعان بني مروان و قد ذكره الزركلي في( الأعلام ٧/ ٢٠٨)، و ذكر أن الذي تشاجر معه مروان هو الوليد بن عبد الملك و ليس سليمان( كما ذكر الطرطوشي) و ذكر: أنه حج مع أخيه الوليد أيام خلافته، فتشاجرا و هما في وادي القرى و شتمه الوليد و كان معهما عمر بن عبد العزيز فوضع يده على فم مروان و منعه من الرد على الوليد فقال له قتلتني رددت غيظي في جوفي قال فما انصرفوا من وادي القرى إلا و قد مات و دفنوه سنة ٩١ ه.
و باعتقادي أن هذا الصحيح لأن سليمان بن عبد الملك لم يصبح إماما و خليفة إلا سنة ٩٦ ه يوم وفاة الوليد، و اللّه أعلم.