سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٥٥ - الباب التاسع و العشرون فيما يسكن الغضب
و كتب بعض ملوك الفرس كتابا، و دفعه إلى وزيره، و قال له: إذا غضبت فناولنيه، و فيه مكتوب: مالك و للغضب، إنما أنت بشر، ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء.
و كان معاوية كثيرا ما ينشد:
|
إنّا إذا مالت دواعي الهوى |
و أنصت السّامع للقائل |
|
|
و اعتلج النّاس بألبانهم |
نقضي بحكم عادل فاصل |
|
|
نخاف أن تسفّه أحلامنا |
فنحمل الدّهر مع الخامل |
|
و قال بعض الحكماء: إيّاك و عزّة الغضب، فإنها تفضي إلى ذلّة العذر.
و قال الشاعر:
|
و إذا ما اعترتك في الغضب العزّة |
فاذكر تذلّل الاعتذار |
|
و قال غيره:
|
زررنا على غير الفواحش قمصنا |
و لم نستجز إلّا الّذي هو أجوز[١] |
|
و قال عبد الله بن مسلم بن محارب، لهارون الرشيد، يا أمير المؤمنين:
أسألك بالذي أنت بين يديه أذلّ مني بين يديك، و بالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي، لما عفوت عني. فعفا عنه لمّا ذكّره قدرة الله تعالى عليه.
و قال رجاء بن حيوة[٢] لعبد الملك بن مروان في أسارى بن الأشعث: إنّ الله قد أعطاك ما تحبّ من الظّفر، فأعط الله تعالى ما يحبّ من العفو.
و قال المأمون لعمه إبراهيم بن المهدي[٣] و كان مع أخيه عليه: إني شاورت في أمرك، فأشاروا عليّ بقتلك، إلا أنّي وجدت قدرك فوق ذنبك، فكرهت القتل للازم حرمتك. فقال يا أمير المؤمنين: إن المشير أشار بما جرت به العادة في السياسة، إلا أنّك أبيت أن تطلب النصر إلا من حيث
[١] - زرّ القميص: شد أزاره و أدخلها في العري.
[٢] - رجاء بن حيوة: شيخ أهل الشام في عصره، عالم و واعظ فصيح، فلسطيني المولد، كان وزير الخليفة سليمان بن عبد الملك و هو الذي أشار عليه باستخلاف عمر بن عبد العزيز، و بقى ملازما لعمر في عهدي الإمارة و الخلافة، مات سنة ١١٢ ه.( الأعلام ٣/ ١٧).
[٣] - إبراهيم بن المهدي: عم المأمون و قد سبقت ترجمته.