سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٧١ - الباب الثلاثون في الجود و السخاء و هذه الخصلة الجليل قدرها، العظيم موقعها الشريف موردها و مصدرها
أمير المؤمنين: لو فرقتها في المسلمين لأصلحت بها من شأنهم فقال: مه[١] يا قنبر فإني سمعت رسول الله صلى اللّه عليه و سلم يقول: «الشكر و المن أثنى عليكم و إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه»[٢].
و قال مطرّف بن الشّخّير[٣]: إذا أراد أحدكم مني حاجة فليرفعها في رقعة، فإني أكره أن أرى في وجهه ذل الحاجة.
قرئ على القاضي أبي الوليد[٤] و أنا أسمع:
|
و آمرة بالبخل قلت لها اقصري |
فليس إليه ما حييت سبيل |
|
|
أرى النّاس خلّان الكرام و لا أرى |
بخيلا له في العالمين خليل |
|
|
و إنّى رأيت البخل يرزي بأهله |
فأكرمت نفسي أن يقال بخيل |
|
|
و من خير حالات الفتى لو علمته |
إذا نال خيرا أن يكون ينيل |
|
و لعروة بن الورد[٥]:
|
و إنّي امرؤ عافي إنائي شركة |
و أنت امرؤ عافي إناءك واحد[٦] |
|
|
أ تضحك منّي أن سمنت و أن ترى |
بجسمي شحوب الحقّ و الحقّ جاهد |
|
|
أقسّم جسمى في جسوم كثيرة |
و أحسو قراح الماء و الماء بارد |
|
و قال بعض الحكماء: أصل المحاسن كلها الكرم، و أصل الكرم نزاهة النفس عن الحرام، و سخاؤها بما ملكت على الخاص و العام، و جميع خصال الخير من فروعه.
و روي: أنه كان عند البهلول بن راشد طعام، فغلا السعر، فأمر به فبيع له، ثم أمر أن يشتري له ربع القفيز[٧] فقيل له: تبيع و تشتري؟ فقال: نفرح إذا فرح الناس و نحزن كما حزنوا.
[١] - مه: اسم فعل مبني على السكون بمعنى: انكفف.
[٢] - حديث« إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» رواه ابن ماجة، و الطبراني، و ابن عدي في الكامل، و البيهقي في شعب الإيمان، و الحاكم في المستدرك؛ و الحديث صحيح( الجامع الصغير ٣٤٥).:
[٣] - مطرف بن الشخير: أبو عبد الله، زاهد من كبار التابعين، له كلمات مأثورة في الحكمة، و هو من رواة الحديث الثقاة توفي سنة ٨٧ ه.( الأعلام ج ٧/ ص ٢٥٠).
[٤] - هو أبو الوليد الباجي صديق و معلم الطرطوشي و قد سبقت ترجمته.
[٥] - عروة بن الورد بن زيد العبسي: من شعراء الجاهلية و فرسانها و أجوادها و كان يلقب بعروة الصعاليك، لجمعه إياهم، مات نحو ٣٠ قبل الهجرة.
[٦] - أي اجعل غيري شريكا لي في الإناء المملوء لبنا أو غيره و أنت تستأثر بإنائك لوحدك.
[٧] - القفيز: مكيال.