سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٨٧ - الباب الثانى و الخمسون فى بيان الصفات المعتبرة فى الولاة
و يروى أن عمر بن عبد العزيز استشار فى قوم يستعملهم، فقال له بعض أصحابه: عليك بأهل العدل، قال: و من هم؟ قال: الذين إن عدلوا فهو ما رجوت، و إن قصّروا قال الناس: اجتهد عمر.
و لما قدم البريد من بشر بن مروان[١] على عبد الملك بن مروان سأله عن بشر، قال: يا أمير المؤمنين: هو الشديد فى غير عنف، اللين فى غير ضعف، فقال عبد الملك، ذلك الأعسر[٢] الأجود، الذى كان يأمن عنده البريء، و يخاف لديه السقيم، و يعاقب على قدر الذنب، و يعرف موضع العفو، الشديد فى غير عنف، اللين فى غير ضعف، كما كان عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه.
و قال الحكيم: اعتبر الرجال بأفعالهم لا بعظم أجسامهم، فإنّ النّسر مع عظمه لا يأكل إلا ميتا، و طير الماء مع ضعفه يتحامى ميت السمك، و يأكل الحى منها.
و فى حكم الهند: السلطان الحازم ربما أحب الرجل فأقصاه و اطّرحه مخافة ضرّه، كالملسوع يقطع إصبعه لئلا ينتشر السّمّ فى جسمه، و ربما أبغض الرجل فأكره نفسه على توليته و تقريبه، لغناء يجده عنده، كتكاره المرء على الدواء البشع لنفعه.
إلا أن للإسلام شروطا، فلا تستقيم هذه السيرة عليها، أ لا ترى أن على بن أبى طالب رضى اللّه عنه، لما أفضت الخلافة إليه، كان معاوية واليا على الشام، من قبل عمر ثم عثمان، فاستشار فى أمره، فقال له بعضهم: أقرّه على إمرته و أرسل إليه بعهده، فإذا دخل بيعتك فاعزله، فقال له: رحمك الله، أ تأمرني أن أطلب العدل بالجور؟ ثم عزله، فكأنه سبب عصيانه، و هكذا أشاروا عليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو فضلت هؤلاء الأشراف و من نتخوّف منهم، و إنما الناس أصحاب دنيا، حتى إذا استوثق الأمر عدت إلى التسوية، فقال: أ تأمروني أن أطلب العدل بالجور فيمن ولّيت عليه؟! و الله لو كان مالى لسوّيت بينهم و لم أفضل بعضهم على بعض، فكيف و المال لهم.
[١] - بشر بن مروان: أخو عبد الملك بن مروان و كان واليا على البصرة و الكوفة توفى سنة ٧٥ ه.
[٢] - الأعسر: الذى يعمل بشماله و العامة تقول( عسراوي).