سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٥ - خطبة الكتاب
و أشهد له بالربوبية و الوحدانية، و بما شهد به لنفسه من الأسماء الحسنى و الصفات العلى، و النعوت الأوفى أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [الأعراف: ٥٤].
و أؤمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله، لا نفرق بين أحد من رسله، و نحن له مسلمون، و أشهد أن محمدا عبده المصطفى، و أمينه المرتضى، أرسله إلى كافة الورى، بشيرا و نذيرا وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً [الأحزاب: ٤٦] صلى اللّه عليه و على أهل بيته الطاهرين، و أصحابه المنتخبين، و أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين.
أما بعد:
فإنّي نظرت في سير الأمم الماضية، و الملوك الخالية، و ما وضعوه من السياسات في تدبير الدول، و التزموه من القوانين في حفظ النّحل[١]، فوجدت ذلك نوعين: أحكاما، و سياسات.
فأما الأحكام المشتملة على ما اعتقدوه من الحلال و الحرام، و البيوع و الأحكام، و الأنكحة و الطلاق، و الإجارات و نحوها، و الرسوم الموضوعة لها، و الحدود القائمة على من خالف شيئا منها، فأمر اصطلحوا عليه بعقولهم، ليس على شيء منه برهان، و لا أنزل اللّه به من سلطان، و لا أخذوه عن نذير[٢]، و لا اتبعوا فيه رسولا، و إنما هي صادرة عن خزنة النيران، و سدنة بيوت الأصنام و عبدة الأنداد و الأوثان، و ليس يعجز أحد من خلق اللّه أن يصنع من تلقاء نفسه أمثالها و أشباهها.
و أما السياسات التي وضعوها في التزام تلك الأحكام، و الذبّ عنها، و الحماية لها، و تعظيم من عظّمها، و إهانة من استهان بها و خالفها، فقد ساروا في ذلك بسيرة العدل و حسن السياسة، و جمع القلوب عليها، و التزام النّصفة[٣] فيما بينهم، على ما توجبه تلك الأحكام، و كذلك في تدبير الحروب، و أمن السّبل، و حفظ الأموال و صون الأعراض و الحرم، كل ذلك فقد
[١] - النّحل: جمع نحلة و هي المذهب أو الديانة.
[٢] - في( خ) و لا أخذوه عن تدبر.
[٣] - النّصفة: أي العدل و الإنصاف.