سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٧ - خطبة الكتاب
العلماء، و لا جالت في نظمه أفكار الفضلاء، و لا حوته خزائن الملوك و الرؤساء، فلا يسمع به ملك إلا استكتبه، و لا وزير إلا استصحبه، و لا رئيس إلا استحسنه و استوسده، عصمة لمن عمل به من الملوك و أهل الرئاسة، و جنّة لمن تحصن به من أولي الأمر و السياسة، و جمال لمن تحلى به من أهل الآداب و المحاضرة، و عنوان لمن فاوض به من أهل المجالسة و المذاكرة.
و سمّيته: [سراج الملوك]، يستغني الحكيم بدراسته عن مباحثه الحكماء[١] و الملوك عن مشاورة الوزراء.
و اعلموا- وفقكم الله- أن أحقّ من أهديت إليه الحكم، و أوصلت إليه النصائح، و حملت إليه العلوم، من آتاه اللّه سلطانا، فنفّذ في الخلق حكمه، و جاز عليهم قوله.
و لما رأيت الأجلّ المأمون، تاج الخلافة، عز الإسلام، فخر الأنام، نظام الدين، خالصة أمير المؤمنين [أبا عبد الله محمد الآمري][٢]، أدام اللّه لإعزاز الدين نصره، و أنفذ في العالمين بالحق أمره، و أوزع كافة الخلق شكره، و كفاهم فيه محذوره و ضرّه، فقد تفضّل اللّه تعالى به على المسلمين، فبسط فيهم يده، و نشر في مصالح أحوالهم كلمته، و عرف الخاصّ و العام يمنه و بركته، و تقلّد أمور الرعيّة، و سار فيهم على أحسن قضية، متحريا للصواب، راغبا في الثواب، طالبا سبل[٣] العدل، و مناهج الإنصاف و الفضل، رغبت أن أخصّه بهذا الكتاب، رجاء لطف اللّه تعالى، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران: ٣٠]، و لنذكر فضائله و محاسنه ما بقي الدهر، كما قيل:
|
الناس يهدون على قدرهم |
لكنّني أهدي على قدري |
|
|
يهدون ما يفنى و أهدي الذي |
يبقى على الأيّام و الدّهر |
|
فإن العلم عصمة الملوك و الأمراء، و معقل السلاطين و الوزراء، لأنه يمنعهم من الظّلم، و يردّهم إلى الحلم، و يصدّهم عن الأذيّة، و يعطّفهم على الرعية،
[١] - في( خ) العلماء.
[٢] - في( ط) الأموي، و الآمري نسبة إلى الحاكم بأمر اللّه الفاطمي، انظر ترجمته في مقدمة المحقق.
[٣] - في( ط) سبيل.