سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٥٨ - الباب الثلاثون في الجود و السخاء و هذه الخصلة الجليل قدرها، العظيم موقعها الشريف موردها و مصدرها
قال ذو النون[١]: بداية السخاء، أن تسخو نفسك بما في يديك، و نهايته أن تسخو نفسك بما في أيدي الناس، و أن لا تبالي من كل الدنيا.
و تذاكر قوم من الزّهّاد عند رابعة العدوية[٢] فجعلوا يذمّون الدنيا و يكثرون من ذلك، فقالت رابعة: من أحب شيئا أكثر من ذكره.
و أصل السخاء هو السماحة، و أن يؤتى ما يؤتيه عن طيبة نفس و انشراح صدر[٣].
و قد يكون المعطي بخيلا إذا صعب عليه البذل، و الممسك سخيّا إذا كان لا يستصعب العطاء و إن منع، و لهذا قال علماؤنا: إن الله تعالى لم يزل جوادا و إن لم يقع منه عطاء في الأزل، لأن العطاء فعل، و الفعل في الأزل مستحيل.
و قالت الحكماء: أيها الجامع لا تخدعنّ، فالمأكول للبدن، و الموهوب للمعاد، و المتروك للعدو. و قال الله تعالى: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩].
قال أبو هريرة رضي الله عنه، جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال: يا رسول اللّه:
إني جائع فأطعمني، فبعث النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى أزواجه، فقلن: و الذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء، فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: ما عند رسول اللّه ما يطعمك الليلة، ثم قال: من يضيف هذا هذه الليلة ;؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول اللّه، فحمله إلى منزله، و قال لأهله: هذا ضيف النبي صلى اللّه عليه و سلم، فأكرميه و لا تدخري عنه شيئا، فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية، فقال فعلّليهم[٤] عن قوتهم حتى يناموا، ثم اسرجي و ابرزي[٥] فإذا أخذ الضيف يأكل، قومي كأنك تصلحين السراج فأطفئيه، و تعالي تمضغ ألسنتنا لضيف النبي صلى اللّه عليه و سلم، ففعلت، و جعلا يمضغان ألسنتهما، و الضيف يظن أنهما يأكلان، و باتا
[١] - ذو النون: هو أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم: صوفي مصري من الكبار أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال و مقامات أهل الولاية توفي بالجيزة سنة ٢٤٥ ه.( الأعلام ٢/ ١٠٢).
[٢] - رابعة العدوية: متصوفة صالحة مشهورة من البصرة تنسكت و اشتهرت بأخبارها في العبادة و ادخلت على التصوف فكرة الحب الإلهي بدلا من الخوف و الرهبة توفيت ١٣٥ ه بالقدس.
( الأعلام ٢/ ١٠).
[٣] -[ انشراح صدر] سقطت من( ط).
[٤] - علّليهم: أشغليهم.
[٥] - اسرجي و ابرزي: أوقدي السراج و أخرجي.