سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٦ - خطبة الكتاب
ساروا فيه بسيرة جميلة، لا ينافي العقول شيء منه، لو كانت الأصول صحيحة، و القواعد واجبة، فكانوا في حسن سيرتهم بحفظ تلك الأصول الفاسدة، كمن زخرف كنيفا[١]، أو بنى على ميّت قصرا منيفا.
|
و لو لبس الحمار ثياب خزّ |
لقال النّاس يا لك من حمار[٢] |
|
فجمعت محاسن ما انطوت عليه سيرهم، خاصة من ملوك الطوائف و حكماء الدول، فوجدت ذلك في ستّ من الأمم و هم: (العرب، و الفرس، و الروم، و الهند، و السند، و السندهند).
فأما ملوك الصين و حكماؤهم، فلم يصل إلى أرض العرب من سياساتهم شيء كثير[٣]، لبعد الشّقّة و طول المسافة، و أما من عدا هؤلاء من الأمم، فلم يكونوا أهل حكم بارعة، و قرائح نافذة، و أذهان ثاقبة، و إنما صدر عنهم الشيء اليسير من الحكمة، فنظمت ما ألفيت في كتبهم من الحكمة البالغة، و السّير المستحسنة، و الكلمة اللطيفة، و الطريقة المألوفة، و التوقيع الجميل، و الأثر النبيل، إلى ما رويته و جمعته من سير الأنبياء :، و آثار الأولياء، و براعة العلماء، و حكمة الحكماء، و نوادر الخلفاء، و ما انطوى عليه القرآن العزيز، الذي هو بحر العلوم، و ينبوع الحكم، و معدن السياسات، و مغاص الجواهر المكنونات، إن اختصر: فلمحة دالة و إشارة خفيّة، و إن أطال: فألفاظ بارعة و آيات معجزة، هو الهادي من الضلالة، و الحاوي لمحاسن الدنيا و فضائل الآخرة.
و رتبته ترتيبا أنيقا، و ترجمته تراجم بارعة، حاوية لمقاصدها، ناطقة بحكمها و مضمونها، يلج الأذن من غير إذن، و يتولج التأمور[٤] من غير استئمار، ألفاظها قوالب لمعانيها، ليس ألفاظها إلى السمع بأسرع من معانيها إلى القلب، فانتظم الكتاب بحمد اللّه و عونه و إحسانه، غاية في بابه، غريبا في فنونه و أسبابه، خفيف المحمل، كثير الفائدة، لم تسبق إلى مثله أقلام
[١] - الكنيف: الساتر أو المرحاض.
[٢] - الخز: الحرير.
[٣] - في( خ) فلم تبلغ إلى أرض المغرب من سياستهم كبير شيء.
[٤] - التأمور: يطلق على القلب أو على الإنسان، و المعنى هنا: يدخل القلب.