سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٩٨ - الباب الثانى و العشرون فى وصية أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد في العلم و أهله
إن هاهنا- و أشار بيده إلى صدره- لعلما جمّا لو أصبت له حملة[١] بلى، قد أصبت له لقنا[٢] غير مأمون عليه، يستعلم آلة الدين للدنيا، فيستظهر[٣] بحجج الله تعالى على كتابه- أو كما قال- و بنعمته على عباده، أو منقادا لأهل الحق[٤] لا بصيرة له في أحنائه[٥]، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، ألا لا ذا، و لا ذاك. أو مهموما باللذائذ[٦]، سريع الانقياد للشهوات، أو آخر شأنه جمع المال و الادخار، ليسا من رعاة الدين، أقرب شبها بهما الأنعام السائمة، اللّهمّ فكذلك يموت العلم بموت حامليه.
و لكن لن تخلو الأرض من قائم لله سبحانه بحجة، لئلا تبطل حجج الله و بيّناته. و من أولئك؟ و أين أولئك؟ أولئك الأقلون عددا، الأكثرون عند الله قدرا، تخزن الحكمة في قلوبهم حتى يزرعوها في قلوب أشباههم، و يودعونها في صدور نظرائهم. هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين، فاستلانوا ما استخشنه المترفون[٧]، و استأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأجساد أرواحها متعلّقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في بلاده، و دعاته إلى دينه، آه، شوقا إلى رؤيتهم.
[١] - لو أصيب له حملة: لو وجدت له حاملين لأبرزته و بثثته.
[٢] - اللقن: الذي يفهم بسرعة.
[٣] - يستظهر: يستعين.
[٤] - في نهج البلاغة( منقادا لحملة الحق): أي المنساق المقلد في القول و العمل لا بصيرة له في دقائق الحق و خفاياه.
[٥] - كذا في نهج البلاغة:( لا بصيرة له في أحنائه): أي جوانبه و في( ط) أخباته: تواضعه و خشوعه.
[٦] - في نهج البلاغة:( أو منهوما باللذة): أي المفرط في شهوة الطعام.
[٧] - في نهج البلاغة:( استلانوا ما استعوره المترفون): أي ما وجده أهل الترف و النعيم و عرا خشنا عدوّه ليّنا.