سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٦٩ - فصل فيمن استبصر من أبناء الملوك عيب الدنيا و فناءها
أفق من غشيتك، أبصر من حيرتك، ثم أنشأ يقول:
|
يا خدّ إنّك إن توسّد ليّنا |
وسّدت بعد الموت صمّ الجندل[١] |
|
|
فأمهد لنفسك صاعدا تسعد به |
فلتندمنّ غدا إذا لم تفعل[٢] |
|
فانتبهت فزعا، فخرجت من ساعتي هاربا إلى ربّي.
و قال عبد الواحد بن زيد[٣]: ذكر لي أنّ في جوانب الأبلّة[٤]، جارية مجنونة تنطق بالحكمة، فلم أزل أطلبها، حتى وجدتها في خرابة جالسة على حجر، و عليها جبّة صوف، و هي محلوقة الرأس، فلمّا نظرت إليّ، قالت من غير أن أكلّمها: مرحبا بك يا عبد الواحد، فقلت لها: رحّب الله بك، و عجبت من معرفتها لي، و لم ترني قبل ذلك، فقالت: ما الذي جاء بك هاهنا؟
فقلت: جئت لتعظيني، فقالت: وا عجباه لواعظ يوعظ، ثم قالت: يا عبد الواحد، اعلم أن العبد إذا كان في كفاية، ثم مال إلى الدنيا، سلبه الله حلاوة الزهد، فيظلّ حيران والها، فإن كان له نصيب عند الله عاتبه وحيا في سره، فقال: يا عبدي أردت أن أرفع قدرك عند ملائكتي و حملة عرشي، و أجعلك دليلا لأوليائي و أهل طاعتي في أرضي، فملت إلى عرض من أعراض الدنيا و تركتني، فورّثتك بذلك الوحشة بعد الأنس، و الذلّ بعد العزّ، و الفقر بعد الغنى، عبدي: ارجع إلى ما كنت عليه أرجع لك ما كنت تعرفه من نفسك.
ثم تركتني و ولّت عني، و انصرفت عنها، و بقلبي حسرة منها، و أنشدوا[٥]:
|
إنّك في دار لها مدّة |
يقبل فيها عمل العامل |
|
|
أما ترى الموت محيطا بها |
يقطع فيها أمل الآمل |
|
|
تعجّل الذنب بما تشتهي |
و تأمّل التّوبة من قابل |
|
|
و الموت يأتي بعد ذا غفلة |
ما ذا بفعل الحازم العاقل |
|
[١] - الجندل: الصخر العظيم.
[٢] - امهد لنفسك صاعدا تسعد له: هيئ لنفسك عملا صالحا و منزلة عالية تسعد بها في الآخرة، و في( خ): صالحا بدل صاعدا.
[٣] - عبد الواحد بن زيد: الزاهد القدوة شيخ العباد، أبو عبيدة البصري من المحدثين الوعاظ، مات بعد الخمسين و مائة ه.( سير أعلام النبلاء ج ٧/ ١٧٩).
[٤] - الأبلة: أعظم ثغور فارس شأنا و أشدها شوكة، و كان أميرها« هرمز» من أسوأ أمراء الفرس معاملة للعرب، و هي الثغر الذي كانت تسير التجارة منه إلى الهند و السند.( أيام العرب في الإسلام ص ١٨٦).
[٥] - وردت الأبيات هذه في تاريخ مدينة دمشق( ٥٦/ ٢٢٨).