سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٩٧ - الباب الثانى و الستون فى القضاء و القدر و التوكل و الطلب
و هكذا القول فيمن له دابّة أو بستان، يؤمر بسقى البستان و حفره، و إصلاح شأنه، و يؤمر بأن يعلف الدابّة و يسقيها.
و أنشدوا:
|
أ لم تر أنّ اللّه قال لمريم |
إليك فهزّى الجذع، تساقط الرّطب |
|
|
و لو شاء أجنى الجذع من غير هزّه |
إليها و لكن، كلّ شيء له سبب |
|
و هكذا قال الرسول صلى اللّه عليه و سلم: «لو أنكم توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا و تروح بطانا»[١] لم يحمل أرزاقها إليها فى أوكارها، بل ألهمها طلبه بالغدوّ و الرّواح.
و قد كان جهيل- رئيس القندهاريين[٢]- يرى من تصديق القدر و تكذيب الطلب- دون أهل زمانه من الملوك- ما حجزه عن الطلب و التدبير، فأخرجه إخوته من سلطانه، و قهروه على مملكته.
فقال له بعض الحكماء: إنّ ترك الطلب يضعف الهمّة و يذلّ النفس، و صاحبه سائر إلى أخلاق ذوات الأجحرة من الحيوان، كالضّبّ و سائر الحشرات، تنشأ فى أجحرتها، و فيه يكون موتها.
ثم جمعوا بين القدر و الطلب، و قالوا: إنهما كالعدلين[٣] على ظهر الدابة، إن حمل فى واحد منهما أرجح مما حمل فى الأخر، سقط حمله[٤] و تعب ظهره، و ثقل عليه سفره، و إن عادل بينهما، سلم ظهره و نجح سفره و تمّت بغيته و ضربوا فيه مثلا عجيبا فقالوا:
إن أعمى و مقعدا كانا فى قرية، بفقر و ضرّ، لا قائد للأعمى، و لا حامل للمقعد، و كان فى القرية رجل يطعمها كلّ يوم- احتسابا[٥]- قوتهما من الطعام و الشراب، فلم يزالا فى عافية إلى أن هلك المحتسب، فأقاما بعده
[١] - رواه الإمام أحمد فى مسنده و الترمذى و ابن ماجة و الحاكم فى المستدرك عن عمر بن الخطاب و الحديث صحيح( الجامع الصغير- رقم ٧٤٢٠) و معنى تغدو خماصا تذهب أول النهار فارغة البطون، و معنى تروح بطانا: ترجع آخر النهار مليئة البطون.
[٢] - نسبة إلى قندهار: و هى مدينة فى جنوب أفغانستان، و قاعدة مقاطعة.[ في( ط): ريّس القندهار].
[٣] - العدلين: أى خرج ذو فتحتين متماثلتين.
[٤] -( حمله) سقطت من( ط).
[٥] - الاحتساب: رجاء الأجر و الثواب من الله تعالى.