سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٠٣ - الباب الخامس و الخمسين فى معرفة حسن الخلق
عَظِيمٍ، و عن هذا قال الشيوخ: إنّ اللّه سبحانه دعا الخلق إلى حسن الخلق، و دعا نبيه صلى اللّه عليه و سلم من حسن الخلق.
قال عبيد اللّه بن عمير: قلت لعائشة أم المؤمنين: صفى لى خلق رسول الله، صلى اللّه عليه و سلم، فقالت لى: أ ما تقرأ القرآن؟: «كان خلقه القرآن»[١] و حسبك بهذا القول منقبة للرسول، صلى اللّه عليه و سلم و تعريفا لك بحسن الخلق، فإذا كان خلق النبى صلى اللّه عليه و سلم القرآن، فالقرآن يجمع كلّ فضيلة و يحثّ عليها، و ينهى عن كل نقيصة و رذيلة، و يوضحها و يبيّنها.
و لذلك لما أنزل اللّه تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩] قال النبى صلى اللّه عليه و سلم: «ما هذا يا جبريل؟ قال: إن اللّه تعالى يأمرك أن تصل من قطعك، و تعطى من حرمك، و تعفو عمّن ظلمك»[٢] فهذا من حسن الخلق كما ترى، فانظر أين أخلاق العامة من هذا النّمط؟ و إن أحدهم يقطع من وصله، و يحرم من أعطاه، و يظلم من سالمه، و يغضب على من اتهمه.
و إنما اقتصر على هذه الكلمات، لأنها أصول الفضائل و ينبوع المناقب لأن فى أخذ العفو: صلة القاطع، و الصفح عن الظالم، و إعطاء المانع، و فى الأمر بالمعروف: تقوى الله، و صلة الرحم، و صون اللسان، و غض الطرف عن المحرمات، و فى تقوى اللّه يدخل جميع آداب الشرع، فرضها و نفلها، و فى الإعراض عن الجاهلين الصفح و الحلم، و فتوة النفس عن مماراة السفيه، و مجاراة اللحوح، فهذه الأصول الثلاثة تتضمّن محاسن الشرع نصا و تنبيها و ضمنا و اعتبارا.
و روى أنس، قيل: يا رسول الله: أى المؤمنين أفضل؟ قال: «أحسنهم خلقا»[٣].
[١] - رواه الإمام أحمد فى مسنده و مسلم و أبو داود عن عائشة و الحديث صحيح( الجامع الصغير- رقم ٦٨٣١].
[٢] - الحديث: رواه القرطبى فى معرض تفسيره للآية: خُذِ الْعَفْوَ ... و قال رواه سفيان بن عيينة عن الشعبى و ذكر الحديث ج ٧/ رقم ٣٤٥ ص ٢١٩.
[٣] - الحديث: رواه ابن ماجة و الحاكم فى المستدرك عن ابن عمر بلفظ( أفضل المؤمنين أحسنهم خلقا) و الحديث صحيح.( الجامع الصغير ١٢٩٣)، و رواه الإمام أحمد و أبو داود و ابن حبان و الحاكم عن أبى هريرة بلفظ( اكمل المؤمنين ...) و الحديث صحيح( الجامع الصغير رقم ١٤٤٠ ص ٥١).