سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٨ - الباب الأول في مواعظ الملوك
ابن آدم: أين آدم أبو الأوّلين و الآخرين؟ أين نوح شيخ المرسلين؟ أين إدريس رفيع ربّ[١] العالمين؟ أين إبراهيم خليل الرحمن؟ أين موسى الكليم من بين النبيين و المرسلين؟ أين عيسى روح الله و كلمته، رأس الزّاهدين و إمام السائحين؟
أين محمد صلى اللّه عليه و سلم خاتم النبيين و حبيب رب العالمين، و سيّد الأوّلين و الآخرين؟ أين أصحابه الأبرار المنتخبون؟ أين الأمم الماضية؟ أين الملوك السالفة؟ أين القرون الخالية؟ أين الذين نصبت على مفارقهم التيجان؟ أين الذين اغترّوا بالأجناد و السلطان؟ أين الذين اقتحموا المخاطر و المخاوف؟ أين أصحاب السّطوة و الولايات؟ أين الذين خفقت على رءوسهم الألوية و الرّايات؟ أين الذين قادوا الجيوش و العساكر؟ أين الذين عمروا القصور و الدساكر[٢]؟ أين الذين أعطوا النصر في مواطن الحروب و المواقف؟ أين الذين دانت لهم المشارق و المغارب؟
أين الذين تمتعوا في اللذّات و المآرب؟ أين الذين أسرفوا على الخلائق كبرا و عتيّا؟
أين الذين راحوا في الحلل بكرة و عشيّا؟ أين الذين استلانوا الملابس أثاثا و ريّا[٣]؟
أين الذين ملكوا ما بين الخافقين[٤] فخرا و عزا؟ أين الذين فرشوا القصور خزّا و بزّا[٥]؟ أين الذين تضعضعت لهم الأرض هيبة و هزّا؟ أين الذين استذلوا العباد قهرا و لزّا[٦]؟ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً[٧] [مريم: ٩٨].
أفناهم، و الله مفني الأمم، و أبادهم مبيد الرّمم[٨]، و أخرجهم من سعة القصور، و أسكنهم في ضنك القبور، تحت الجنادل[٩] و الصخور، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، فعاث الدود في أجسادهم، و اتخذ مقيلا في أبدانهم، فسالت العيون على الخدود، و امتلأت تلك الأفواه بالدّود، و تساقطت الأعضاء، و تمزّقت الجلود، و تناثرت اللحوم، و تقطعت البطون، فلم ينفعهم ما جمعوا، و لا أغنى عنهم ما كسبوا.
[١] - سقطت كلمة:( رب) من( ط) و قد ورد في القرآن الكريم عن إدريس ٧ قوله تعالى:
وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا[ مريم: ٥٧].
[٢] - الدساكر: كلمة فارسية مفردها« دسكرة» و تعني: القرية العظيمة أو البناء كالقصر يكون حواليه بيوت يجتمع فيها الشطار.
[٣] - ريّا: الريّ بمعنى حسن الحال و كثرة النعمة.
[٤] - الخافقين: الخافقان هما المشرق و المغرب؛ لأن الليل و النهار يخفقان فيهما.
[٥] - الخز و البز: الخز هو الحرير أو ما نسج من صوف و حرير أو حرير فقط، و البزّ: هي الثياب من الكتان أو القطن.
[٦] - اللز: اللزاز شدة الخصومة و يقال: فلان لز شر، أي لصيق شر لا يقلع عنه، و يقال: عيش لزز: أي ضيق.
[٧] - و الركز هو: الصوت الخفي.
[٨] - الرمم: البالي من العظام.
[٩] - الجنادل: الصخور العظيمة.