سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٢٩ - الباب السادس و العشرون في بيان معرفة الخصال التي هي جمال العقل
و من الحكمة البالغة في مثل هذا، قول سابور و قد جمع أولاده، فقال: يا بنيّ: إن أعجزكم أن تملئوا قلوب الرّعية حبا، فاملئوها خوفا، و ليس ذلك بأن تحمل العقوبة على من لا يستحقّها، و لكن تعجلها لمن يستحقها.
و في هذا المعنى قال الله تعالى: فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ [الأنفال: ٥٧] و هذا معنى لا يختل عما أوجبناه، و هو معنى قول سابور، و لا يخالف ما قررنا من حسن العفو، بل هذا محمول على الواجب المستحق، أو على ما في تركه إغراء بركوب أمثاله فها هنا يكون العفو مفسدة.
فيا أيّها المعاقب: إذا أقمت على مذنب عقوبة، فلا تكن كالمتشفي المتلذّذ بعذابه، لأنك و إياه إخوان لأب و أم- آدم و حواء- لم تفضله بحولك و قوّتك، بل بما فضّلك الله به تطوّلا عليك فاذكر لو كنت في مقامه و كان في مقامك. و لا تأمن تقلب الدهر، فتقوم مقامه بين يدي من لا يرحم و لا ينظر في العواقب. و احذر التفريط و التقصير، و أقم نفسك مذنبا أقيم للعقوبة، و ليكن عقابك مقدّرا كما كان عطاؤك مقدّرا، و ليكن عقابك للتقويم لا للانتقام، و للزّجر لا للهوى.
و عن هذا قال بزرجمهر: لا ينبغي للملوك أن يكرموا أحدا بهوان من ليس للهوان أهلا، و لا أن يهينوا أحدا بإكرام من ليس للكرامة أهلا.
لا تكن على الإساءة أقوى منك على الإحسان، و لا على البخل أسرع منك إلى البذل، قال الشاعر:
|
صفوح عن الإجرام حتّى كأنّه |
من العفو لم يعرف من النّاس مجرما |
|
|
فليس يبالي أن يكون به الأذى |
إذا ما الأذى بالكره لم يغش مسلما |
|
و قال سليمان بن داود ٨: التنكيل و العقوبة أمنية الملك الشّرير، و على مثله يبعث الله ملكا غير رحيم.
و قال معاوية: لا ينبغي للملك أن يظهر منه غضب أو رضى، إلا لثواب أو عقاب.
و قال أردشير: فضل الملك على السّوقة[١] إنما هو بقدرته على اقتناء المحامد و استفادة المكارم، فكلما استكثر منهما، بانت فضيلته و استحقاقه
[١] - السّوقة: عامة الناس.