سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥١٨ - الفصل الأول يشتمل على أخبار رفعت إلينا بعد الفراغ من الكتاب، فألحقناها
بالأموال و الرجال، قلت فى نفسى: هذا رجل يريد الاستكثار من الأموال و الجند، بما يظهر لى من فساد الدولة قبله، و هيهات أن ينتقض[١] عليّ خراسان. فانتقضت دولته من خراسان.
و قال الواقدى[٢]: قال الفضل بن سهل[٣]: لما دعي للمأمون فى كور خراسان بالخلافة، جاءتنا هدايا الملوك، سرورا بمكانه من الخلافة، و وجه ملك كابلستان[٤] شيخا يقال له (ذوبان) و كتب يذكر انه قد وجهه بهدية، ليس فى الأرض أسنى منها، و لا أرفع و لا أنبل و لا أفخر منها، فعجب المأمون، و قال: سل الشيخ ما معه؟ فسألته. فقال: ما معى شيء أكثر من علمى، قلت:
و أى شيء علمك؟ قال: رأى ينفع، و تدبير يقطع، و دلالة تجمع، قال: فسرّ المأمون بذلك، فأمر بإنزاله و إكرامه و كتمان أمره، فلما أجمع على التوجّه إلى العراق لقتال أخيه[٥]، قال لذوبان: ما ترى فى التوجه إلى العراق؟ قال:
رأى وثيق، و حزم مصيب، و ملك قريب، فالسّير ماض، فاقض ما أنت قاض.
قال له: فمن نوجّه؟ قال: الفتى الأعور الطاهر[٦] الأطهر، يسير و لا يعثر، قوى مرهوب، مقاتل غير مغلوب، قال: فكم نوجّه من الجند؟ قال: أربعة آلاف، صوارم الأسياف، لا ينتقصون العدد، و لا يحتاجون إلى المدد. فسرّ المأمون بذلك، و وجه بطاهر بن الحسين، قال: و فى أي وقت يخرج؟ قال:
مع طلوع الفجر، يجمع لك الأمر، و يصير إلى النصر، نصر سريع و قتل ذريع، و تفريق تلك الجموع، و النصر له لا عليه، ثم يرجع الأمر إليك و إليه، فظفر طاهر و كان له النصر، و قتل على بن عيسى[٧]- وزير الأمين- و استولى على عسكره، و حاز أمواله.
[١] - ينتقض الناس على الإمام: يخرجوا عليه.
[٢] - الواقدى المؤرخ المشهور. سبقت ترجمته.
[٣] - الفضل بن سهل وزير الخليفة المأمون. و سبقت ترجمته.
[٤] - كابلستان هى افغانستان و عاصمتها كابل.
[٥] - أى لقتال أخيه الأمين بن الرشيد.
[٦] - يقصد طاهر بن الحسين القائد الذى وطد الملك للمأمون و قتل الأمين و بعث برأسه لأخيه و قد كان أعور، و قد سبقت ترجمته.
[٧] - علي بن عيسى بن ماهان، أحد كبار القادة فى عصر الرشيد و الأمين ولده، و هو الذى حرّض الأمين على خلع المأمون من ولاية العهد، و سيّره الأمين لقتال المأمون بجيش كبير، فتلقاه طاهر بن الحسين قائد جيش المأمون- كما فى النص- فى الريّ و قتل ابن ماهان و انهزم أصحابه و كان ذلك سنة ١٩٥ ه،( الأعلام ٤/ ٣١٦).