سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٥٨ - فصل فى ميزانية فرعون مصر و كيفية التصرف فيها
الملوك و الوزراء، و ذلك أنى لما كنت بالعراق، و كان الوزير نظام الملك[١]- و الغالب على ألقابه «خواجا بزرگ»[٢] رحمه الله تعالى- قد وزر لأبى الفتح ملك الترك ابن ألب أرسلان، و كان قد وزر لأبيه من قبله، فقام بدولتهما أحسن قيام، فشد أركانها، و شيّد بنيانها، و استمال الأعداء، و والى الأولياء، و استعمل الكفاة، و عم إحسانه العدو و الصديق، و البغيض و الحبيب، و البعيد و القريب، حنى ألقى الملك بجرانه[٣]، و ذل الخلق لسلطانه، و كان الذى مهّد له ذلك بإذن الله تعالى و توفيقه، أنه أقبل بكليته على مراعاة حملة الدين، فبنى دور العلم للفقهاء، و أنشأ المدارس للعلماء، و أسّس الرّباطات[٤] للعبّاد و الزّهّاد و أهل الصلاح و الفقراء، ثم أجرى لهم الجرايات و الكساوى و النفقات، و أجرى الخير و الرزق لمن كان من أهل الطلب للعلم مضافا إلى أرزاقهم، و عمّ بذلك سائر أقطار مملكته، فلم يكن من أوائل الشام- و هى (بيت المقدس)- إلى سائر الشام الأعلى، و ديار بكر، و العراقين و خراسان بأقطارها، إلى سمرقند من وراء نهر جيحون، مسيرة زهاء مائة يوم حامل علم أو طالبه، أو متعبد أو زاهد فى زاويته، إلا و كرامته شاملة له، و سابغة عليه، و كان الذى يخرج من بيوت أمواله فى هذه الأبواب (ستمائة ألف دينار) فى كل سنة، فوشى به الوشاة إلى أبى الفتح الملك، و أوغروا صدره عليه، و قالوا:
إنّ هذا المال المخرج من بيوت الأموال، يقيم به جيشا يركز رايته فى سور قسطنطينية، فخامر ذلك قلب أبى الفتح الملك، فلما دخل عليه قال: يا أبت، بلغنى أنك تخرج من بيوت الأموال كل سنة (ستمائة ألف دينار) إلى
[١] - الوزير نظام الملك أبو على الحسن بن على بن إسحاق الطوسى، منشئ المدارس النظامية فى بغداد، و البصرة و طوس و نيسابور و مرو و أصفهان و غيرها، تنقلت به الأحوال إلى أن أصبح وزيرا للسلطان ألب أرسلان و بقي في خدمته عشر سنين، و لما مات خلفه ولده ملكشاه و صار الأمر كله لنظام الملك، و أقام على هذا عشرين سنة حيث دبّر ممالكه على أتم مما ينبغى و ذلك أيام الخلفة العباسى المقتدى بالله، و لكن ساءت الأمور فى النهاية بسبب الوشاة، بين الوزير و السلطان، فقتل يرحمه الله فى ليلة الجمعة سنة ٤٨٥ قرب نهاوند( وفيات الأعيان ٢/ ١٢٨، و الأعلام ٢/ ٢٠٢).
[٢] - من ألقاب الوزير نظام الملك( خواجا بزرك).
[٣] - ألقى بجرانة: كناية عن الثبات و الاستقرار مستعارة من قولهم( ألقى البعير جرانه، إذا برك)( و ألقى المسافر عصاه، إذا وصل إلى مكان قصده).
[٤] - الرباطات: الأماكن المبنية للفقراء و الزهّاد.