سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٦٠ - فصل فى ميزانية فرعون مصر و كيفية التصرف فيها
أصبهان للحساب، فلما أحس أبو سعيد بذلك، أرسل إلى الخليفة أبي العباس[١] يقول: هل لك في أن أطبق الأرض بذكرك، و انشر لك عزا لا تمحوه الأيام؟ قال: و ما هو؟ قال نمحو اسم نظام الملك عن هذه المدرسة، و نكتب عليها اسمك، و تزن له ستين ألف دينار، فأرسل إليه الخليفة يقول له: انفد من يقبض المال، فلما استوثق منه مضى إلى أصبهان، فقال له نظام الملك:
إنك قد رفعت إلينا نحوا من ستين ألف دينار نفقة، و أحب إخراج الحساب، فقال له أبو سعيد: لا تطل الخطاب إن رضيت و إلا محوت اسمك المكتوب عليها، و كتبت عليها اسم غيرك، و أرسل معى من يقبض المال، فلما أحس نظام الملك بذلك، قال: يا شيخ: قد سوغنا لك جميع ذلك كله، و لا تمح اسمنا، ثم أنّ أبا سعيد بنى بتلك الأموال الرباطات[٢] للصوفية و اشترى الضياع و الخانات و البساتين و الدور، و أوقف كل ذلك على الصوفية، فالصوفية إلى يومنا هذا، فى رباط أبى سعيد الصوفى و أوقافه، يتقلبون ببغداد، ففى مثل هذه المناقب فليتنافس المتنافسون، و لمثل هذا فليعمل العاملون، فإن فيها عزّ الدنيا و شرف الآخرة، و حسن الصيت و خلود جميل الذكر، فإنّا لم نجد شيئا يبقى على الدهر إلا الذكر، حسنا كان أو قبيحا، و قال الشاعر:
|
و لا شيء يدوم فكن حديثا |
جميل الذّكر فالدّنيا حديث |
|
فانتهز فرصة العمر و مساعدة الدنيا و نفوذ الأمر، و قدّم لنفسك كما قدموا، تذكر بالصالحات كما ذكروا، و ادّخر لنفسك فى الآخرة كما ادخروا، و اعلم أنّ المأكول للبدن، و الموهوب للمعاد، و المتروك للعدو، فاختر أى الثلاث شئت و السلام.
[١] - أبو العباس: هو الخليفة العباسى الثامن و العشرون المستظهر بأمر الله، و قد تولى الخلافة سنة ٤٨٧ ه و عليه فإنه يبدو أن فى الأمر خلطا، حيث أن نظام الملك مات سنة ٤٨٥ ه فيكون المقصود الخليفة العباسى المقتدي بأمر الله عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله( أبو القاسم) الذى تولى الخلافة سنة ٤٦٧ ه إلى ٤٨٧ ه أو من قبله و هو القائم بأمر الله عبد الله بن أحمد، أبو جعفر مات سنة ٤٦٧ ه لأن هذه المدارس أسست فى الخمسينيات من القرن الخامس، فالخلط يبدو فى كنية الخليفة و الله أعلم.
[٢] - الرباطات: واحدها« الرابط» و هى المعاهد المبنية و الموقوفة للفقراء.