سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤١١ - الباب الخامس و الخمسين فى معرفة حسن الخلق
النبى صلى اللّه عليه و سلم قيل له: ادع اللّه على المشركين، فقال: «إنما بعثت رحمة و لم أبعث عذابا»[١] و لما وصى يعقوب ٧ أولاده، قال: «احفظوا عنى خصلتين: ما انتصفت من ظالم قط قولا و فعلا، و ما رأيت حسنة إلا و أفشيتها، و ما رأيت سيئة إلا و سترتها، و كذلك فافعلوا».
و قال ابن عمر: إذا سمعتمونى أقول لمملوك (أخزاه اللّه) فاشهدوا أنّه حر.
السيئ الخلق هو الذى لا يملك نفسه عند الغضب.
و قيل أصل سوء الخلق: مطالبة غيرك أن يوافقك، دون أن تطلب نفسك بموافقة غيرك. و علامة حسن الخلق: أن تحتمل معاملة سيّئ الخلق لتستر به سوء الخلق.
و قيل: العارف يعاتب نفسه، و لا يعاتب خلقه، و علامة من بينه و بين نفسه عتاب؛ أن لا يكون بينه و بين خلقه عتاب.
و روي أن عبد اللّه بن عمر، كان فى حجره يتيم سيّئ الخلق، فمات فحزن عليه، فقيل له: إنك تجد غيره، قال: فمن لى بسوء خلقه؟.
و كان ليحيى بن زياد الحارثى[٢] غلام سوء، فقيل له: لم تمسك هذا الغلام؟ قال لأتعلم عليه الحلم.
و قيل فى قوله تعالى: وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً [لقمان: ٢٠] الظاهرة: تسوية الخلق، و الباطنة: حسن الخلق.
و قال الفضيل[٣]: لأن يصحبنى فاجر حسن الخلق، أحبّ إليّ من أن يصحبنى عابد سيّئ الخلق.
فإن قيل أ ليس قد روى أن عيسى بن مريم، و يحيى بن زكريا، ٨ التقيا فقال يحيى لعيسى: تلقانى ضاحكا كأنك آمن! فقال عيسى: و أنت تلقانى عابسا كأنك آيس! فأوحى اللّه إليهما: أنّ أحبّكما إلىّ أبشّكما بصاحبه.
قلنا: كذلك يستحبّ أن يكون المؤمن، و ليس إطلاق الوجه و التبسّم فى
[١] - رواه الإمام البخارى فى التاريخ عن أبى هريرة و الحديث حسن( الجامع الصغير رقم ٢٥٨٥).
[٢] - يحيى بن زياد الحارثى، شاعر ماجن يرمى بالزندقة من أهل الكوفة و هو ابن خال أبو العباس السفاح لم يحمد زمانه توفى أيام المهدى سنة ١٦٠ ه( الأعلام ٨/ ١٤٥).
[٣] - هو الفضيل بن عياض العابد. سبقت ترجمته.